والطريق التي انتهت بها من ٥ دولارات في الحفلة الواحدة الى عشرة آلاف دولار لم تكن قط ورداً ورجماً بل كانت طريقاً شاقة . فقد استطاعت بفضل مساعدة مالية قدرها ٦٠٠ دولار قدمها لها بعض الاعضاء في احدى الكنائس ان تتلقى دروساً غالية الثمن من احد كبار الاساتذة بالموسيقى . وبمساعدة استاذها والربح الضئيل الذي كان يعود عليها من اشتراكها في الحفلات الغنائية قررت ماريان ان تجرب حظها لاول مرة على مسرح تون مول في نيويورك ؟ وهو من هذه المسارح التي كان النقاد الصحفيون يحرصون على غشيانها ليزودوا جرائدهم بنقداتهم . ولم تكن تعليقاتهم على الغالب تكيل لها المدح والاطراء .
كان لموقف النقد الفني منها ان تبط منها العزم ففكرت يوماً بالانصراف عن الغناء . وقد كانت تشعر على مر الشهور ان الغناء والموسيقى حلا من قلبها عميقاً لترغب عنهما ؟ وبفضل ما كانت تصادف لدى والدتها من التشجيع راحت تمرن على الغناء من جديد . ولم يمض عليها القليل حتى اختيرت من بين ٦٠٠ مطربة اشتركن في مباراة موسيقية ووقع عليها الاختيار لتغني في نادي لويستسن في نيويورك مع جوقة نيويورك الفنية . ثم جاءت انكلترا للدرس والتحصيل ؟ ونالت من مبرة جوليوس روزنوالد منحة مكنتها من الذهاب الى المانيا للتخصص فيها بالغناء على يد كبار الموسيقيين الالمان ومنذ ذلك الحين انفتحت امامها ابواب دنيا الفن على مصراعيها .
فاذا ما نظرنا الى الوراء من خلال السنوات الثاني والاربعين التي قطعتها
ماريان اندرسن في مهنة الغناء كان من الصعب علينا ان نميز اطيب ما نالته هذه المغنية من فنون التمجيد والتكريم والثناء . أهو مثلا الوسام الذي قلدها اياه ملك السويد ؟ او وسام ادورد بك الذي اهدته لها مدينة فيلادلفيا وهي المدينة التي رأت فيها النور، ولهذا الوسام في نفسها وقع ومنزلة عظيمان لما له من دلالة ومعنى . فقد رافق الوسام هبة بمبلغ ١٠ الاف دولار رأت ماريان ان تقفها على مساعدة مغنيات ناشئات يتوسم لهن مستقبل بسام . اولا يكون يا ترى هذا الشرف المؤثل في دعوة تأتيها عام ١٩٥٤ من جوقة متروبوليتين اوبرا لتنضم الى عضويتها مع انه لم يسبق لها ان عملت في مثل هذه الاجواق . وقد بلغت ذروة النجاح في محاولتها الاولى ام ان شهادة ارثورو توسكانيني لها = « ان صوتا كصوتك قد لا نظفر بمثله في مائة سنة » .
ولعل اروع هذه الامجاد كلها ، تلك
الهزة العاطفية التي شعرت بها يوم عيد الفصح في سنة ١٩٣٩ ، إذ تلقت ماريان اندرسون دعوة من الحكومة الاميركية لتغني امام الشعب في واشنطن على الدرجات المؤدية الى نصب لنكولن التذكاري وفي انتقاء هذا المكان بالذات روعة وعظة = ألم يكن لنكولن الرئيس الذي حارب في سبيل الدفاع عن العبيد الارقاء وتحريرهم . كان اليوم يوماً مشهوداً في العاصمة الاميركية . وحضر الحفلة بالرغم من البرد القارص ٧٥ الف مستمع ومتفرج بينهم اعضاء المحكمة العليا ورجال الحكومة الاميركية .
وانتهت ماريان اندرسون كتابها بفصل خاص عالجت فيه المشكلة التي يواجهها احياناً الزنوج مع البيض واعربت عن عظيم املها بمستقبل الزنوج الاميركيين ومستقبل اميركا كمجموعة واحدة . ولعله من حقها ان تعتز وتفاخر بالمساهمة التي قدمتها في سبيل تقدمها معاً .

