

مشكلة الاردن
يبدو ان مركز الثقل في الموقف الدولي ، قد انتقل من القاهرة الى عمان فجأة . ولعل من المفيد جداً ان يتوغل الباحث في معرفة الاسباب المفاجئة التي ادت الى هذا الانتقال السريع ، ولا سيما وان مشكلة القاهرة ، غير مشكلة عمان . ثم يتبادر الى الاذهان ايضاً هذا السؤال : لماذا لم تكن غير عمان المكان الذي اختاره ثقل القاهرة ، مصدر الازمة الدولية في الشرق الاوسط ؟ .
الجواب على هذا السؤال ، بسيط في غاية البساطة ، يكفي ، للحصول عليه ، الرجوع الى مؤتمرات ملوك ورؤساء العرب ، سعود وحسين ، والقوتلي وعبد الناصر ، في العاصمة المصرية ، قبل وبعد زيارة العاهل السعودي للولايات المتحدة الاميركية . فالسعودية والاردن ، لا يريدان التعامل مع الكتلة الشرقية التي يتزعمها الاتحاد السوفياتي ، ويريان ان مصالحهما ومصالح شعوبهما ، ومستقبل الطمأنينة والامن في ربوع الشرق الاوسط ، متوقفة كلها على توثيق روابط الدول العربية بالغرب ، ولا سيما الولايات المتحدة الاميركية ، التي اعلنت انها مستعدة لحماية الشرق الاوسط من اي
عداون شيوعي . اما مصر وسوريا فتريان الامر بالعكس . وتناديان بالحياد الايجابي الذي لم تعترف باسمه حتى الآن معاجم الدبلوماسية العالمية .
ورأت السعودية ، ومن قبلها العراق ، ولبنان ، وليبيا ، ومراكش وتونس ، واليمن والحبشة وافغانستان وباكستان ان مشروع الرئيس ايزنهاور الخاص بالشرق الاوسط ، يتفق تماماً مع مطالبها في السيادة والحرية والتعامل الانساني الحر غير المشروط ولا المقيد .
وشاء الاردن ، وهو مملكة صغيرة تربطه بالدول العربية اواصر وثيقة من الاخوة والمصلحة والتقاليد ، وهو يحكم وجوده ، الخط الاول للدفاع ، والهدف الاول للعدوان الصهيوني ، ان من واجبه ومصلحته ان يقبل المساعدات الاميركية ، ويرحب بزيارة مبعوث الرئيس ايزنهاور ، ويتبادل معه الرأي في شؤون دفاعه وأمنه ، على غرار ما فعلت الكثرة من دول الشرق الاوسط . ولكن الشيوعية الدولية التي عناها الملك حسين في مؤتمره الصحفي مساء الاربعاء في ٢٤ نيسان ، ابت على الاردن هذه الخطوة ، واثارت فيه حوادث خطيرة ، لولا حكمة العاهل الشاب وجرأته لجرت على البلاد عواقب
وخيمة . فاستقال النابلسي ، واستقال اركان حرب الجيش ، واجتمع زعماء الاحزاب اليساريون في نابلس واتخذوا مقررات خطيرة ، رفعوها الى الملك ، بواسطة رئيس الوزراء الدكتور الخالدي . غير ان الملك الصامد للتيار الشيوعي المتطرف ، عرف ان يرد المطالب ، ويحكم المملكة بيد حكيمة قوية .
فمن ترى وراء الازمة الاردنية ؟ سؤال ، ستجيب عليه الاحداث الجارية ، بل لقد اجابت عليه كلمات العاهل الاردني في مؤتمره الصحفي الاخير ، اذ قال : ان الشيوعية الدولية ، ارادت ان تلعب بالاردن لعبتها المعتادة ، فاختارت لها قلة متطرفة من ابنائه .
وكما استطاع الملك سعود ، والملك فيصل والرئيس شمعون وحكوماتهم ان يخطوا ببلدانهم الى واحات الطمأنينة والسلام . ويحققوا لها اتصالاً انسانياً حراً ، سيتمكن الملك حسين ، بفضل شجاعته والمخلصين من رجالات الاردن ، ان يتخطى الازمة الطارئة ، ما دام يتمتع بتأييد ونصرة العرب المخلصين . وعندئذ يدرك منتقدو سياسة لبنان والسعودية والعراق ، والاردن انهم اخطأوا التقدير ، وضاوا الطريق .
