وينتهي هذا الحوار بانتصار ألكمان المرأة البسيطة على جوبيتر ملك الآلهة فهي تصر على امانتها الزوجية وتفضل الموت على الخيانة وتقدم لسيد الاكوان الصداقة الانسانية المتزنة بدلاً من حب الآلهة الجامح. فيروق لجوبيتر ان يختبر الصداقة الانسانية ويقبل بهذا العهد الجديد بينه وبين هذه الانسانة الضعيفة العنيدة .. ويقبلها قبلة الوداع واذا باصوات سماوية تردد: وداعاً يا ألكمان .. وداعاً يا جوبيتر ... وتعود الالهة الى مقرها ووفود الكهنة الى صوامعها وترتمي الكمان بين ذراعي زوجها لتتمتع بسعادتها الارضية التي خلقت من اجلها ...
صراع بين الآلهة والبشر - بين الارض والسماء - بين الخارق والعادي - موضوع لطالما عالجه « جيرودو » وخلق منه مسرحاً أدهش العالم المتمدن ثلاثين سنة وهو لا يزال ينجلي عن حقائق انسانية وقيم فنية تشير حتماً الى ثبوته في ادب الكلاسيكية الخالد .. وهو اذ يصور هذا الصراع باسلوبه الادبي المبتكر وبمهارته المسرحية البارعة يتركنا في حيرة مشوقة لا نعلم الى اية جهة رجحت كفة الميزان .. اذ ان تكن الكمان قد انتصرت على الآلهة بارادتها البشرية وتعلقها بهذه السعادة الزوجية الفانية فقد انتصرت عليها الآلهة من قبل وبعثت في احشائها « هركيل » نصف الاله المقرر مصيره منذ الازل ..
وتنتصر « اوندين » ( في رواية اوندين ) جنية البحر على المرأة « بارتا » وتفوز بحب الفارس « هانس » ولكنها ترتد اخيراً خائبة الى عالمها البحري بعد ان يخونها هانس .. وتغازل « ايزابيل » ( في رواية إنتر مازو ) شبح احلامها الجميل ويكاد يختطفها الى عالم الاموات الى ان ينشب صراع عنيف بينه وبين خطيبها الشاب العملي فيعيدها هذا الاخير الى الحياة من جديد .. وكذلك في رواية « يهوديت » توق الانفلات من حكم الآلهة .. صراع مستمر بين الخيال والواقع - بين القدر والانسان - تتعادل فيه القوى وتختلف المقاييس ، فللانسان ارضه وما عليها وللآلهة عالمها ومقاييسها ..
واذا ما حاولنا ان نصل من وراء هذه الألاعيب السحرية واللفتات الفكرية الى عقيدة واضحة لجيرودو ارتددنا خائبين لان هذا الشاعر المحبوب ذا الابتسامة الساحرة والشخصية الجذابة لا يزال سراً غامضاً يحير كبار الادباء والمفكرين .. ولعل عبقريته تتميز بكونها تتحدى الوصف والاحاطة .. فهو ذلك الاديب الفرنسي وريث الكلاسيكية المنطقية ، وهو ذلك المتجدد العصري الرمزي الحامل لواء عصره ، وهو الانساني ذو الجولات الوجودية العنيفة والحس الشعري المرهف - هو كل ذلك ولكنه سر مطوي لم يتكلم عن نفسه قط ولم يعلن عقيدته يوماً .. وامام المؤرخ الادبي مهمة شاقة اذا ما حاول ان يكشف عن طيات تفكيره او ان يحل ألغاز ادبه ورموزه ..
ولذلك فان اخراج مسرحياته امر عسير يتطلب الفهم العميق والحس المرهف والمهارة الفنية اللامعة ، وقد ساهم في اخراجها قبيل الحرب الاخيرة وبعدها الممثل العبقري « جوفيه » Jouvet فكان والمعبر والموحي معاً وتعاون مع « جيرودو »
