ماذا تريد منها الحياة ؟
أجل ماذا تريد منها ؟ وجهها الشاحب المحدد ، وقوامها اليابس ، والعينان جف ماؤهما ، والفم المغلق ، والثوب المهلهل والقدمان المجرحتان ... ماذا تريد الحياة من هذا كله ؟
غير انها تعيش ... تعيش في حقل مجدب ، مثل واحدة من الزحافات ، تعايش الصمت والفراغ ، وتتغذى بالعشب الاخضر ، وتحيا .
وحوّلت نظري عنها الى شجرة قائمة وسط حقل وعر ؛ شجرة دهرية ، تتحدى العواصف الهوجاء ، وصقيع الشتاء وتعصر قطراتها في اشداق الصيف اللاهبة ، وحدها تصارع ومن حبات التراب تستحلب بقاءها ...
وهذه الدودة الزاحفة فوق الصخور الجرداء القاسية ، حيث لا ماء ولا نبات ، ومع ذلك تحفظ لها الحياة وتدفعها للسير الى الامام : الدودة تحيا على صقيع الحجر ، وندى الليل ... وتبقى .
وهكذا الريف في لبنان ، ينازع من اجل البقاء ... ليس فيه صخب المدينة وضوضاؤها ، ولا فيه حياتها الاجتماعية او التكالب على العمل . والمشاحنات السياسية ، ليس فيه شيء من هذا كله ، لان الحياة في لبنان
تكوّمت كلها في بقعة تدعى بيروت ، ومع ذلك فان الريف يبقى ، يبقى اكبر شاهد على ارادة الحياة .
المصانع ، عرق الحياة في الوطن ، المعامل اعصاب الامة ، المعاهد قلبها النابض ، هذه كلها محروم منها الريف في لبنان لان مدينة تسمى بيروت انيقة جذابة ، وصاخبة تعج فيها الحركة ، وتتدافع المناكب وتعلو الاصوات ، ولان بيروت انيقة جذابة يقصدها العامل الصغير ، ويقصدها الموظف الكبير ، تأكل من قلب هذا وتنهش اعصاب ذاك ، وكل منهما في حالة لا وعي ، حتى اذا ما افاق من نشوته رأى انه كمن يلحس المسن ، يستذوق طعم الدماء وهو لا يدري انه
دم قلبه .
عيني على الريف ، ويدي فوق قلبي ، وصوتي يستنجد بكم يا ولاة الامر في لبنان .. عودوا الى الريف ، فانه بحاجة اليكم ، حرام ان تحتكروا الحياة وتجعلوها فوق اكف حفنة من ابناء هذا الوطن ، بينما لكل مواطنٍ الحقّ في العيش .
ان كل ما يحتاجه الريف افساح المجال لامكانيات الافراد حتى تنمو وتتجند في خدمة الفرد والجماعة ؛ انه بحاجة الى حملة توجيهية تعلم ابناءه كيف يساعدون انفسهم وينمون مواهبهم ، وامكاناتهم ، ثم كيف يحبون ارضهم ، ويحسبونها قطعة من كيانهم ووجودهم ...
لا تدهشوا اذا قلت لكم هذا كله ، فان ضربات قلبي تمتزج بصرير القلم .

« دعهم على جهلهم ، فاذا هنالك إن جعلتَ رأسكَ منتزهاً بعضُ شعرات بيض ؟ ..
« أئنك لم تجد ، فلا تتأنف ان خطرت تيهاً ، أفلا يحق لها ؟ ...
« لستُ للشيخوخة علامة . أنا ، اقول لك ، بل للحكمة اساساً .
« لماذا تغضب مني ، وتود اقتلاعي كلما بان لك خيالي ؟ ألا يكفيك ما لديك ؟ !! .
« ألا يكفيك ان امواجاً من الامل خضراً ما زالت تترقرق في عينيك ؟ ... والفم البسّام ، أليس نعمة تحمد عليها !! ... ألم يبق القلب الخفّاق كما كان ، فلمَ الهمّ !! ...
« ألا يكفيك انها هي تودّ اخذ رأسك بين يديها وملاعبتي . كم تحس بالنشوة عندما تنزلق شفتاها عني الى جبينك ثم الى عينيك . اي حرارة تكمن فيها عند لقائها باثنين أخريين !! ألا ترفع ناظريك شاكراً عندئذ ؟؟ .
« ما همّك إتهامهم لك بالتصابي ان كانت هي ، الصبية ، تفرق بشبابك .
« إرفع عنك ثقل تعسك مني ، فما زال قلبك خفافاً يحبّ » ...

