واجاب مرة اخرى بهدوء: «ان الامور اصعب مما تتصورين»؛ واشار الى السائق ان يتوقف قليلاً، ثم اضاف هامساً: ما اريد ان اقوله، ان الملك لن يبقى في انكلترا بعد ان تتركيها ...
فاجبته بحماس: سوف يبقى، لن يدعوه يمضي، لا .. وهز «بيري» رأسه وهو يردد: انك مخطئة يا واليس، ان الملك قرر ان يستقيل اذا لم يستجب المجلس لطلبه ولن يثنيه احد عن هذا العزم.
ونظرت الى بيري في ذهول، ثم سألته ماذا عليّ ان اعمل؟ فنصحني بان اقلع عن الذهاب الى «كان» واكتفي بالوصول الى «بلتون» واضاف قائلاً: ان قربك راحة للملك، فلن يشعر بانك تركته الى الابد، ومن «بلتون» تؤثرين عليه، فلن يتسرع في اتخاذ اي قرار.
ووعيت الى الواقع، ان دافيد يفقد عقله اذا ما تدخل احد في طريق خطة رسمها؛ «بيري» كان يعلم ذلك، ويعرف انه مقدم على مغامرة خطيرة، قد تفقده ثقة الملك به.. غير انه كان مستعداً للقيام باي شيء من اجل بقاء الملك فوق عرشه.
لم افهم في تلك اللحظة، كيف ان ذهابي الى «بلتون» بدل «كان» قد يغير الاوضاع؛ ان انفصالي عن دافيد نهائي، مهما قربت المسافة بيننا، او بعدت؛ وانا، التي تعرفه جيداً، كنت واثقة بانه ما من قوة تغير افكار الملك؛ والآن، مهما حصل، سوف اقع انا تحت اللوم؛ فاذا استقال الملك، سوف يظن انه فعل ذلك تحت تأثيري، وسوف يقال اني اقدمت على ذلك بدافع خوفي من ان افقده الى الابد.
وقلت له بدوري: تصور اني كنت
حتى هذا الصباح غريبة تماماً بالنسبة لسكان بريطانيا، ليس هناك من يدافع عني. ولكني واثقة من حل واحد، وهو ان ابتعد من طريق الملك، وهذا عين ما اقوم به الآن.
وتوقف بيري عن الكلام، وكذلك لم يعد يبحث معي موضوع عودتي الى بلتون؛ وكنت على حق في ترك بريطانيا، وحين اجرت في القناة، نسيت وجودي الذي استحال الى عدم، وبقيت طوال فترة الرحلة الى «نيوهان» افكر في كيفية اقناع الملك بالبقاء على العرش، والاقلاع عن فكرة الزواج؛ ورحت استعرض مع بيري قائمة اصدقاء الملك الذين من شأنهم ان يؤثروا عليه، ووقع اختيارنا على اللورد دربي، الذي يكنّ له الملك كل احترام؛ وحاولت ان اتصل به تلفونياً فلم اتمكن، وسرعان ما وجدتني في الجناح الذي حجزه بيري باسم السيد والسيدة هاريس؛ وهكذا ضاعت من يدي الفرصة الذهبية، وكان علينا ان نتابع الرحلة الى «كان»، كانت الساعة الثانية صباحاً حين وصلنا الى «اوتيل لابوست» والتعب قد نال مني، حتى كدت اعجز عن خلع ثيابي، فارتقيت على السرير، لاستعيد بعض نشاطي.. ولم اعد اشعر بشيء الا ساعة قرع الباب ودخل بيري يوقظني، ويؤكد لي اننا تأخرنا، وهكذا لم استطع ان استحم لاستعيد نشاطي، وبسرعة البرق شربت فنجان الشاي وتناولت بعض الطعام وسرت على الدرج خلف بيري، كيلا يلحظ وجودي احد، وكنت كلما التقيت بجماعة، تحدّق بي العيون، تلك العيون التي بت اجتنبها، واخافها، ولما
صعدت السيارة، كانت تحيطها جبهة من الغرباء، وكلهم شوق لينظروا إليّ.
وعاد فكري يدور حول موضوع واحد، الاتصال بدافيد، ورحت انتظر اول فرصة تمكني من مكالمته؛ اردت ان اقنعه حتى لا يسير وراء عاطفته، ولكن اين كان بامكاني ان انزل دون ان يكتشف امري، او تلاحقني الصحف؛ حتى اننا اتبعنا طريقاً خاصة في اتجاهنا نحو «كان»، ومررنا في «افروكس» وكنت اعرف البلدة من قبل، واعرف فندقاً صغيراً بامكاننا ان نتوقف امامه دون ان يبصر سيارتنا المارة، ومن هناك كلمته باسم السيد «جيمس» وهو اسم اتفقت عليه مع دافيد للمخابرات الخاصة، واذكر اني ضمّنت المخابرة ما يلي:
على السيد جيمس ألا يتواطأ ابداً، وعليه ان يستشير الحكماء والاصدقاء القدم وبينهم دافكوير، واللورد دربي وآغا خان .. ولا تتسرع في اتخاذ اي قرار ..
وفي هذه الاثناء كان بيري يحرس الباب ... وسمعت صوت دافيد قادماً من البعيد، وكأنه يخاطبني من عالم آخر، وتعجب لوجودي في افروكس، فاعلمته اننا فعلنا ذلك بقصد تضليل الصحف؛ ولم اسمع كل ما قال، وفهمت فيما بعد انه حاول تحذيري من المضي الى «كان» لان الصحف الفرنسية علمت بخبر رحلتي. وقد تجمهر الصحافيون امام فيلا روجرز بانتظاري؛ ولم يكن صوتي مسموعاً كذلك، ورحت اصرخ بكل قواي، وجاء بيري وساعدني لا وصل التحذير الى الملك، ولكن كل ما كان يردده: «لِمَ عرّجنا على افروكس؟».
ـ يتبع في العدد القادم ـ
