علق صديق لي على الانتخابات النيابية الاخيرة وقد شغل فيها رئاسة احد الافلام النسوية في بيروت فقال:
« لا ريب ان المرأة اللبنانية برهنت عن « وعي » في خذلها المرشحة النسوية - رئيسة جامعة الهيئات النسائية في لبنان لانها، بحسها المرهف، ادركت ان المعركة فاصلة وعلى نتائجها سيرسم وجه لبنان ويحدّد مصيره، وان الدور الخطير هذا انما هو دور الرجل، لا دور المرأة! »
انا بالطبع لم اتفق مع صديقي في هذا الرأي ووقفت من نتائج الانتخابات موقفاً مغايراً واعتبرت فشل المرأة الوحيدة التي ثبتت في المعركة حتى الاخير فلم تنثن ولم تتراجع، اعتبرته - واقولها آسفة - دليلاً على « عدم وعي » نسائنا، لانني مؤمنة في قرارة نفسي ان قد آن الاوان لاشراك المرأة في النشاطات والاهتمامات البرلمانية التي تعيّن المصائر والاتجاهات الحياتية لمستقبل هذا البلد العزيز.
لو كان لي ان احلل العوامل والاسباب التي ادت الى فشل لور ثابت لما وضعت كل الحق على الناخبة مجردة اياها من كل وعي وصدق وشعور بالمسؤولية... مع هذا اقر بانها المسؤولة الاولى عن هذا الفشل، فقد بدر منها في مناصرة السيدة ثابت وتأييدها، على مرأى عيني ومسمع اذني، حماسة لا تضاهى، فان كانت عهوداً ووعوداً ملتوية كاذبة تلك التي قطعتها الناخبة على نفسها فبئست هذه البداية المشينة من حياتها السياسية.
اما اذا كانت العلة في وسائل الدعاية التي استخدمتها المرشحة فكانت اما فجة ناقصة او على مستوى جد عال وغير عملي وهكذا جاءت نتائجها بالتالي مفاجئة وغير فعالة.
ام لعلّ هذه النتيجة دليل جديد على ان المرأة ليست بعد تلك الخبيرة المتمرّسة في شؤون السياسة وفنونها وما تستلزمه من مداورات واحاييل تأبى السيدة الرفيعة التهذيب ان تزج نفسها فيها؟ وهكذا لم تعرف السيدة ثابت كيف تسوس ناخباتها وتفرض نفوذها وتكسب ثقة شتى الطبقات من بنات جنسها؟
انا لم اتحرَّ عن الحقيقة ولذا لا اعلم اذا كانت العلة تكمن في احد هذه الاسباب ام في تضافرها جميعاً، انما الذي اعلمه يقيناً، هو ان النساء لو شئن البرّ بعهودهن لاوصلن رئيسة جامعة الهيئات النسائية الى البرلمان حتما ودون كبير جهد، رغم طغيان القوى المعارضة وتعددها. ولما انتثنين عن عزمهن هذه العوامل كلها معاً... ولكنهن في اعماق ضمائرهن وفي اللحظة الحاسمة، آثرن « الرجل » على « المرأة » - انها حقيقة مؤلمة يخجلني ان اسجلها ههنا...
تتميز نهضات الامم بنقاط انطلاق تندفع بالشعوب نحو فجر جديد يسوده الازدهار. ومن فضائل عهدنا هذا انه اعطى المرأة حقوقها السياسية الكاملة. ونحن اليوم في لبنان نتطلع الى مستهل نهضة عارمة. كان من المجدّ ان يشرق فيها جبين المرأة، اعترافاً عادلاً بجهادها الطويل الصامت، ان في مجالات الخدمة الاجتماعية، او الثقافية او الانسانية، وايضا لما احرزته عبر النصف القرن الاخير من كفاءات مرموقة في كافة الحقول.
وكان من المجدّ ايضا الا يأتي هذا القول منا نحن، بل يستيقظ ويعيش ويثمر في ضمائر المسؤولين وذوي السلطة للتدليل مرة ثانية على تجرّدهم واخلاصهم، وبالتالي على جدارتهم بقيادة دفة الحكم..
ترى، متى يدرك لبنان، حكومة وشعبا، بان في وجود المرأة بين اعضاء برلمانه ضمانة روحية، ووضع الحق في نصابه، ودليلاً حياً على الرقي والتقدم؟؟

