حينما فقدت الخنساء اخاها صخراً - وهي شاعرة معروفة في تاريخ الادب العربي القديم - انهارت اعصابها ، وتفجرت حزناً على الراحل العزيز . بل نحن نجد انها نذرت نفسها من بعده لذلك الحزن ، وارتدت مسوح الثكلى ، تأبى ان تتعزى عن فقد من كان عندها ، « كأنه علم في رأسه نار » !
كان هذا من الخنساء قبل الاسلام ، اي قبل ان يكون للانسان العربي - للمرأة وللرجل - مثل اعلى ، وعقيدة خيرة ، ورسالة انسانية . فلما اسلمت الخنساء ، وانعتقت من عبوديات الجاهلية الوثنية ، وتحرر فكرها وعقلها وقلبها - وجدت في حضنها اربعة شبان كانوا زينة في الرجال ، اولئك هم ابناء الخنساء الذين تطوعوا للجهاد في سبيل تلك الرسالة ، في سبيل الله - وقد قتلوا مستشهدين مع من استشهد في موقعة « بدر » . افتدرون ماذا قالت الخنساء حينما بلغها خبرهم ؟ لقد قالت ، دون ان تبكي او تنتحب : « الحمد لله الذي شرفني بقتلهم ، وارجو ان يجمعني بهم في مستقر رحمته ! » .
هذه الروح التي تتجلى في « الام » حيال مصرع اولادها ، هذه الروح التي اعوزت الخنساء من قبل ، حيال مصرع اخيها ، هي الروح التي تعوز الكثيرين
والكثيرات منا ، هي الروح التي فقدناها منذ زمن بعيد ، ففقدنا معها كثيراً من مقومات الحياة العزيزة الكريمة .
فما الذي حدث في نفس الخنساء ، حتى انقلبت من « امرأة » الى « ام » ، ومن انثى ضعيفة الى رسولة بطلة ؟ في هذا السؤال بالذات تضمين للجواب عنه . لقد خلقت الخنساء خلقاً جديداً ، منذ اشربت روح البطولة .
وفي التاريخ القديم كما في التاريخ الحديث ، امثلة كثيرة يعرفها المطلعون على تلك الروح . ومنها مثال الملك ألبير البلجيكي - في الحرب العالمية الاولى - حينما انذره الالمان بالاستسلام ، او هم يكتسحون بلاده اكتساحاً . فكانت جواب الملك البطل ، وهو الضعيف بجيشه الصغير تجاه الجيوش الالمانية العظيمة ، جواباً ينضح بالبطولة ، لانه جاء جواب الملك المؤمن بحق شعبه وبلده في الحرية والبقاء . قال لهم : « لن تمروا .. الا على جسدي ! »
البطولة الوان واشكال
هذه البطولة ، في الحرب ، يقابلها بطولات ، في النواحي الاخرى من الحياة . فالعالم الذي ينذر نفسه للعلم ، والمكتشف الذي يقف حياته على البحث توسيعاً لآفاق المعرفة الانسانية ، والام
التي تفني لتتحف الوطن بابناء وبنات صالحين ، والمعلم الذي يذوب لينير سبيل المتعلمين ، والاديب الذي يضوى كي يوجه القارئات والقارئين ، جميع هؤلاء ، وغيرهم كثير ، ابطال يستحقون شكر الأمة وتمجيد التاريخ . فالبطولة كالمحبة روح عام ، يهيمن على العمل المتقن ، والجهد المخلص ، والسعي المتجرد ، كما تهيمن المحبة على كل معاملة بين الناس ، افراداً كانوا او جماعات . وليس في الدنيا مأتى يأتيه انسان ، أنبل وأعظم وابقى من مأتى بطولي ، تضمخه المحبة ، كما يضمخ العطر الزهرة الرائعة .
مظهر البطولة
ولا تحسبنّ البطولة وقفاً على العظماء . . بل انما اذا صدرت عن غيرهم تبدو اعظم واكبر . والا فما فضل البحر اذا منّ على اليابسة بانه يتحفها بسحابات الغيم ، وندى الفجر ؟ او اذا منت الشمس عليها معاً بانها هي التي تسخن الماء ، والهواء ، فتحدث البخار ، وتحرك الريح ؟
ليست البطولة اذن وقفاً على الكبار ، وان كانوا احرى من سواهم باعطاء القدوة الطيبة والمثل الصالح . ان بامكان كل منا ان يكون بطلاً - او بطلة - متى هو اراد أو هي ارادت . ان التضحية وحدها هي المقياس الذي تقاس


