مع بزوغ عصر النهضة اتجه الفكر الأوروبي الناهض نحو الثقافات الكلاسيكية القديمة خصوصاً الفكر اليوناني منها فاقتبس منه المبادئ الأساسية العامة التي يجب أن يرتكز عليها الفكر جملة والفن خاصة. من هذه المبادئ، المبدأ القائل أن الفن يجب أن يُقلد الطبيعة ويصورها بصدق وإخلاص. لهذا السبب رأينا كتاب وشعراء النهضة المتأخرين يضربون بعرض الحائط جميع القيود الموضوعة على التعبير الحر الذي يصور النفس الإنسانية والطبيعة أجمل وأدق وأصدق تصوير. كان هذا الاتجاه عاماً في جميع النشاطات الفكرية والفنية، خصوصاً الموسيقية، فجاءت الأوبرا وليدة هذا المخاض الشاق وجعلت من الموسيقى فناً أكثر تعبيراً، كما كانت فتحاً جديداً بحد ذاتها.
نشأتها: أول ما فعله الموسيقيون في هذا السبيل هو أخذ القصص والخرافات اليونانية وإخراجها في قالب جديد على غرار ما كانت تمثل الدراما بمصاحبة الجوق أو الكورس في العهد اليوناني الكلاسيكي. وقد آزر هذه الحركة الناشئة جماعة من الموسيقيين الإيطاليين في فلورنس فاجتمعوا في شلة واحدة عُرفت بشلة «كاميراتا». ومن جملة ما أخرجت هذه الجماعة «الكوميديا الإلهية» لدانتي، ومسرحية «دفني» التي مُثلت أمام الجمهور سنة ١٦٠٠.
كان هؤلاء الموسيقيون يعتقدون أنهم إنما يقلدون ويحبون إيجاد الدراما اليونانية الغابرة لكنهم بالفعل كانوا ينشئون فناً موسيقياً جديداً قائماً بذاته جعل التعبير الشخصي المباشر على المسرح ممكناً والموسيقى المصاحبة ذاتها كانت انعكاساً للأفكار والعواطف التي تعبر عنها الكلمات. كان هذا الفن الجديد - الأوبرا المتحررة - وقد رافق هذه الحركة المتحررة حركة دينية أدت إلى ظهور الأوراتوريو الدينية التي نضجت على يد باخ وهاندل.
الأوبرا وريثة أشكال موسيقية عدة جُمعت في بوتقة واحدة وأذيبت ثم صبت في هذا الشكل الجديد الجذاب. ورثت
الأغاني التي تنشد في الكرنفالات، ورثت الحفلات المقنعة وغناء الجوقات، ورثت الرقصات الريفية التي تمثل فكرة معينة في أدائها. أما الذي جعل الأوبرا تتميز عن غيرها من الأشكال فهو ظهورها بخصائص معينة، فالحوار يمثل مواقف ومشاهد واسعة مع مناظر شيقة يرتاح إليها النظر مع تمثيل يستحوذ بانتباه المتفرج؛ أما النهاية فكانت سارة في غالب الأحيان. واستعملت الموسيقى لتأكيد المعنى أو لتقوية التعبير.
كان أول مؤلف وضع موسيقى أوبرا كبيرة مونتفردي Monteverdi الذي عمل على جعل الموسيقى أكثر واقعية وعاطفة بخلاف المؤلفين الذين جاءوا بعده فقد خففوا من تأثير هذه الواقعية وعملوا على جعل الموسيقى أكثر تكافؤاً وهكذا يفسح المجال أمام المغنية لإظهار قوة صوتها والتكنيك في الغناء بدلاً من التوكيد على سموّ الفكر والعواطف.
جمعت مؤلفات سكارلاتي ( ١٦٥٩ - ١٧٢٥ ) ما بين


