
دخل جبران قاعة الرسم في المعهد حاملاً تحت أبطه محفظة أوراقه وأقلامه والقى نظرة تأمل طويلة على « الموديل » - صبية عارية مستلقية على المنصة تظهر عليها إمارات السأم والأعياء ، فبدت منه إشارة عدم الرضى ، وبحث بعينيه عني ثم اقترب مني وهمس في أذني :
- هذه المسكينة توحي إلي بالشفقة ... لا رغبة لي في الرسم .. نفسي يضيق حتى الاختناق في هذا الجو الواجم الكثيب ... أفضل النزهة على جانب النهر لمشاهدة هول الفيضان .
تركنا الأوراق والأقلام في عهدة مدام كاترينا ... فاستفهمت بقلق عما إذا كانت « الموديل » لم تعجبنا ، وتمت لنا نزهة جميلة ...
عشر دقائق على الأقدام وكنا على رصيف « فولتير » - مررنا أمام تمثاله فقال جبران :
- هذا هو عمك « بطريرك فارني » ... سلم عليه ... قلت أنا :
- اقترب أنت والمس طرف ثوبه لتحل عليك نعمة الضحك ... ولا تبقى هكذا عابساً ... لابساً وجهك بالمقلوب !!
وقفنا برهة نراقب المياه تتدفق من تحت الجسور ، تغلي وتفور وتطغى على جوانب الأرصفة - مشهد مخيف ورائع لقوى الطبيعة وجبروتها ... يزيده هولاً ظلام الليل والأنوار الخفيفة تلتمع وتتراقص على صفحة الماء متحدية الأمواج الغاضبة السوداء ... كان جبران البادىء في الكلام وقد كنت أحسبه غارقاً في التأمل :
- لقد زارتني الآنسة أولغا بعد الظهر ، وأخبرتني أن الرطوبة من ارتفاع
ماء النهر قد ابتدأت تتسرب إلى المحل حيث تتمرن على البيانو . وطلبت مني السماح لها بنقله إلى محلي ... وأرى ذلك غير ممكن .. فالمدخل ضيق ... ثم أني استقبل أصدقائي ومعارفي ، على الغالب كل يوم بعد الظهر ... وعندي أن محلك أوفق ... مدخله يطل على الشارع


وأنت متغيب عنه طوال بعد الظهر . والآنسة أولغا ، كما تعلم ، لطيفة مهذبة لا تسبب لك أي ازعاج ... أنا لم أكن مخطئاً عندما قلت لك أنها شريفة وذات أخلاق سامية .. وقد زاد إعجابي بها ثقافتها العميقة . أنها تتكلم الانكليزية والألمانية عدا الفرنسية والروسية ...

وقد حدثني عن الكاتب الروسي «تولستوي» وعن الفيلسوف الألماني «نيتشه» وابتدت من الآراء والتعليقات ما زاد اعتباري لها ... آه يا يوسف ! ما أكبر الفرق بين امرأة وامرأة ، كأن النساء لسن جميعاً من فصيلة واحدة !»
كنا قد اقتربنا من كاتدرائية «نوتردام» فوقفنا قليلاً في الساحة نتأمل في خطوط المدخل .. والواجهة ...
منتهى الفخامة ! قلت لجبران :
- هذا المعبد الفخم قد رفع على شرف « بنت البلاد » ستنا مريم ... ومرّ بالقرب منا شاب وفتاة : اليد باليد يتكلمان همساً ويضحكان بسعادة ونشوة ... قال جبران وقد نسي ستنا مريم :
- ما عساهما بجبران ؟.. اشياء تافهة ولا شك ... مقطعاً من نشيد الحب الأزلي ... مقدمة لسكرات الحب ... وعندما تبرد العاطفة ، بعد هذه النار المتأججة ، يبدأ الخصام ويتبعه الفراق ... وربما كان حاصل هذا الحب طفلاً جديداً يغتذي وينمو ليكبر ويعيد تمثيل المسرحية الازلية ... موجة صغيرة على سطح أوقيانوس الوجود ...
وكنا قد وصلنا في السير إلى شوارع باريس القديمة وراء كنيسة القديس «جوليان الفقير» فسألني جبران :
- ما الذي فعله هذا القديس باترى ؟.
جاوبته :
- هل تعني جوليان الفقير ؟... لا أدري بالتمام ماذا فعل سوى أنه مات شهيداً ... أنا أعرف بالتقريب ماذا عمل «جوليان المهرطوقي» الامبراطور الروماني ...
- أنت تميل إلى المهرطقة أكثر من