
القديسين. هذا صار مفهوماً عندي! هات خبرنا ماذا فعل صاحبك الهرطوقي؟
- اولاً كان يجب السكن في باريس - كان مثلنا، صاحب ذوق! ثم انه حاول ان يصلح غلطة عمه الامبراطور قسطنطين ويعيد للآلهة الاولمبوس هيا كاهم وعزّهم وان يجعل عاصمة ملكه باريس عوضاً عن «بيزنطية» ليبتعد عن الجو الشرقي حيث تنشأ المباحثات وتتفشى بسهولة.
غيّر جبران الحديث، كأنما اكتفى، وراح يعيد نوادر بلزاك كيف انه كان يجوب هذه الازقة في الليالي الحالكة، يلتقط التأثيرات ليودعها قصصه... وبالحقيقة، فقد كان كل زقاق وكل باب وكل نافذة وكل شبح عابر... كل ذلك كان يوحي الى المخيلة باشياء واشياء عن مأساة الحياة وهزئها وجمالها، وفظاعتها...
في غمرة هذه التأملات العميقة، كان جبران ينتقل الى عالمه المجهول فيسأل او يتساءل: «ونحن من نحن؟ من اين اتينا والى اين نحن ذاهبون؟؟ ما اشبهنا باطياف تائهة في هذه الازقة الضيقة... بينما على مسافة قصيرة، في الشوارع الفسيحة «البولفار» يجري نهر الانسانية ليضيع في اوقيانوس النسيان.. غريبة هذه الحياة، مَن يستطيع التنبؤ بحرف واحد عن مخبآتها والكشف عن غاياتها ومراميها؟
لم اعد اذكر كل كلمة قالها جبران في تلك النزهة الليلية.. لكنني اذكر جيداً حالته النفسية.. كان يجر قدميه حاملاً جسده فوق الارض الباردة، وقد حلقت روحه في الفضاء اللامتناهي، وانسرح تفكيره الى ما لا حدود له... وكنافد اقتربنا من «معهد السوربون»

فوقفت امام تمثال قائم وسط حديقة صغيرة ورفعت قبعتي اؤدي التحية وقلت لجبران:
- هذا هو الشاعر الكبير «دانتي»... زار باريس في مستهل القرن الرابع عشر، فاقام له المعجبون به هذا التمثال...
سألني جبران: - الى اين وصلت بترجمة الجحيم؟... كم مرة ومرة وعدتني بان تقرأ لي شيئاً منها؟ ولا ارى وقتاً مناسباً لذلك كهذه الليلة، فهلاّ فعلت؟
توجهنا الى محلي، وقد راقني الاقتراح، ولكي نصل بسرعة صعدنا «الترامواي» الى ساحة «دنفر»، وكنت طوال الطريق اشرح لجبران واحلل عظمة هذا الشاعر الكبير: ..«هو الثالث بعد هوميروس وفرجيل، وربما فاقهما... هو اول اديب عصري... لم يترك معنى ولا شعوراً الا وعبر عنه بفصاحة وعمق فائقين.. وقد احب «بياتريس» وهو فتى في العاشرة من عمره.. وهي دون العاشرة.. ولكن الموت خطفها قبل ان تكمل ربيعها العشرين. وينفى دانتي بعد ذلك لاسباب سياسية، ويعيش عمره غريباً عن «فلورنسة» مدينته المحبوبة... وقد زفر يوماً في حرقة ومن اعماق قلبه هذا القول المأثور: - آه! ما اصعب الصعود والنزول في ادراج الناس!».
ومع كل ذلك تغنى دانتي باناشيد خالدة جعلته في مصاف اكبر الشعراء. ولم ينس ابداً حبيبة قلبه «بياتريس» فقد تردد اسمها في اناشيده الخالدة فكأنها «دليلته» الامينة في رحلته الى السماء... وهناك من يؤكد انها هي، لا سواها، التي اوحت اليه الشعر، وبقيت ينبوع وحيه الدافق!..»
قاطعني جبران وقد انتشى بمحدثي عن دانتي: - كم اود ان ازور فلورنسة لكي اشاهد الاجواء التي عاش فيها دانتي وجيوتو وانجيلكو وبوتشالي وليوناردو وميكانجلو ومكيافالي وغيرهم وغيرهم... ستبقى حسرة في قلبي اذا لم امكن من الصعود الى قمة «فيازولي»..
في هذه اللحظة وصلنا الى محلي... فسألني جبران: هل يوجد شيء للأكل؟