

كانت جدتي ، في ايام طفولتي ، تدعوني الى فراشها حين يشتد الزمهرير وتقول : ابقي بجانبي ، دفئيني .
ولست اعلم من كان يدفئ الآخر ؛ فقد كان فراش جدتي حاراً دافئاً ، وكنت استسلم بهناء لذلك الدفء ، واستلقي بجانبها ، بينما تبقى هي جالسة ، بعد ان تطفئ المصباح ، تتمم كلمات ما كنت افهمها .
وفي ليلة ركنت الى الفراش الهني ، وفي اذني يتجاوب زئير العاصفة مختلطاً بعويل الرياح في الوادي المجاور ، ونقر حبات المطر على خشب النافذة ... كان رأسي فوق الوسادة ، وجسدي الصغير مسترخياً بدعة وقلبي الطفل يرتعش من شدة الخوف ... وحسبتني جدتي غفوت ، فبقيت هي جالسة ، تتمم كلماتها المبهمة ؛ ثم من خلال أجفان نصف مغلقة ، رأيتها
تقرع صدرها ، وبصوت أرفع من المعتاد ، سمعتها تردد :
يا رب احفظ توفيق ، واعده الينا سالماً ...
وذهلت جدتي في اليوم التالي حين فاجأتها بالسؤال :
- من هو توفيق هذا يا جدتي ؟ اين هو ؟
- انه ابني .. خالك ؛ بعيد خلف « سبع بحور » ! ومسحت دمعاتها بمنديلها الصغير ؛ وحسبت ان سؤالي آلمها ، فلم أعده ؛ انما حفظت الاسطورة التي تعيش خلف البحار السبعة ، حفظتها في قلبي ، ولم اكن اخرجها الا ساعة تلتقي نظراتي بعين جدتي الدامعة ...
- الله يرضى عليك يا ابنتي ، اكتبي له ، قولي له امك كبرت ، اصبحت عاجزة ، تعال وبلّ قلبها قبل ان تفارق الدنيا .
وتسري الرسائل ذهاباً واياباً ؛ وقلبها يعيش على الايمان ، ولسانها يردد : يا رب ابعثه لأراه واموت .
ولا يخيب الابن البار نداء امه ، فيترك المال ، والاعمال ويسرع اليها على بساط الريح ... ورأته عيناها ، بعد اربعين سنة ، لقد تغير كثيراً ، ولكنه لا يزال ابنها ؛ ابنها الذي ارضعته لبنها الصافي واحتضنته بالذراعين المؤمنين ، ورعته بالعينين الحنونين .
ورأيتها لما احتوته ذراعاها ، رأيتها تترك الثمانين عاماً وراءها ، فيشرق النور من وجهها ، ويشع في عينيها بريق غريب ... ولم تنس ، وهي تحتضنه ، وتتحسس وجهه باناملها وتقبل عينيه ؛ لم تنس ان تمسح دمعاتها وتردد : شكراً الهي .. شكراً ...

ألا تغني اليوم فرحاً يا قلبي ؟ أهناك أهنأ من شاطئك وآمن من حماك ؟؟ ...
كنت كلما عمرتُ تلك ، لأطمئن على فراغك تنفجر مطالباً بحقك في الموت والحياة .
وأمس افلتّ لك العنان ، فقضيت كسر لم يوهنه طول الانصياع .
وعدت اليّ بعد طول غيبة وملء جوانحك ربيع . فرحتُ باختيارك ، كما انك أتعبتني برقصك وسرورك .
ألستَ كاذباً أنت اليوم : فمن يذوب اشتياقاً دون بسمة رضى !!؟ ...
طمعك سيقتلك : الا يكفيك وجودك له ، فلم تشقى لانه لم يجدك ؟ ما أدراك أنه هو ايضاً لا يبحث عنك !!؟ ...
لست أعذرك في إبتآسك يا قلب ، فالحب بسمة الدهر وفرحة العمر ، فغداً لقاء وغداً دنيا من الاشراق ...