كان المعاقون جسدياً كالعمي والطرش والخرس ، في لبنان ، عبئاً ثقيلاً على ذويهم وعلى المجتمع ، يرمقهم الكل بنظرة سلبية . لا تتعدى الشفقة ... ويقفون مكتوفي الايدي ، عاجزين عن القيام بأية خدمة ايجابية لهؤلاء البؤساء ، المحرومين نعمة التمتع بحاسة النظر او السمع والنطق ... كان هؤلاء يعيشون منعزلين في ذل دائم ـ كومة مهملة في زوايا البيوت ... حتى رأيناهم ، في الربيع الماضي يحيون على مسرح كلية بيروت للبنات ، حفلة فنية كاملة ، من غناء وتمثيل وعزف ـ وترقرقت عيون الحضور بالدمع تأثراً لهذه المشاهد الحية . وقلنا آنذاك : « لا بد ان وراء هذه الخطوة المباركة قلباً كبيراً ونفساً معطاءة حنوناً ... » وقادنا بحثنا واستقصاؤنا الى الحلوة السمراء الآنسة وداد بارودي !

الشابة السمراء وداد بارودي
قلم التحرير
أحبّت العمي والطرش فتجندت لتعليمهم ...
جلست اليها بعض الساعة اسألها فتجيب . واستدرجها الى مكامن السر ، الذي دفع شابة مثلها الى دروب هذا العمل الشائك الشاق .
- « انه من احلام طفولتي المبكرة » اجابت وداد بابتسامتها المشرقة ، « يوم كنت تلميذة في مدرسة الآنسة امينة خوري المقدسي ، وكانت هذه السيدة النبيلة تدعو العميان لزيارة المدرسة وتكثر من التحدث الينا عنهم وعن ضرورة مساعدتهم ، وتحفزنا على جمع التبرعات لهم فكان قلبي الصغير ينعصر اسىً عليهم واتمنى لو استطيع ، يوماً ، التضحية في سبيلهم باكثر من خرجيتي المحدودة ... »
- ونمت هذه العاطفة في صدرها في الكلية الاهلية للبنات ، وتغذت على يدي مديرتها السيدة وداد قرطاس التي لا تقل اندفاعاً في سبيل العميان ...
في كلية بيروت للبنات : وتغذى ميلها الطبيعي هذا في كلية بيروت للبنات ، اذ حققت في هذه المشاكل الاجتماعية المستعصية وكتبت اطروحتها
عن « مشكلة العمى في لبنان » وساعدتها تلك الدراسة على « المعرفة » « فالحاجة الى العمل » ... « فمحبة » هذه المخلوقات البائسة ـ والمحبة هي اساس كل عمل خيّر ...
منحة نادي الروتاري : كانت لحظة سعيدة حقاً عندما بلغ وداد ان « نادي الروتاري » قرر اعطاءها منحة دراسية للتخصص مدة سنتين لتعليم العمي والصم ...

أعيان في تمثيلية « نهر الجنون » لتوفيق الحكيم
٢٠