ان المسؤول عن هذا التدهور الاخلاقي في مجتمعنا هو اولئك الذين يؤلفون هذا المجتمع بالذات ؛ هو : انا وانت وهم وهن !
ولا يتبادرن الى ذهنك اني احمّل هذه المسؤولية الجميع على السواء ؛ حقاً لا ، اذ الناس في ذلك يشبهون سلماً عديد الدرجات ، كل طبقة منهم بمثابة درجة وتتحمل كل واحدة من المسؤولية ما يتناسب مع علو او انخفاض هذه الدرجة نفسها .
والمجتمع اللبناني شبيه ببستان ينبت فيه الزوان بجنب الحنطة والشوك بجانب البنفسج والطيّون بقرب الكرم والاعشاب الطفيلية عند اصول الشجيرات الذكية ، وكل من هاتين الغلتين النباتيتين يضارع عنصراً انسانياً من هذا المجتمع ، وباغفال البستانيين استئصال الضار من البستان توقف النمو في النبات ودبّ الذبول والهزال وتدهور معدل الانتاج وكان التدهور الاخلاقي الذي نشكو منه .
وهذا الاغفال الحاصل قد يكون نتيجة كسل او جهل في اصول البستنة ، ولكنه في اعتقادي ، آت من عدم محبة البستانيين لهذا البستان فلم يتعهدوه باخلاص فطغى فيه الضار على النافع .

ان ضعف المحبة ، برأيي ، من اسباب التدهور الاخلاقي ، اذ يرافقه الانكماش النفساني وعدم التعاون ويماشيه التباغض والتحاسد وينفقد معه الاحترام والطاعة ويجف ماء الوجه ويقل الاستحياء ، واذا لم يستح المرء يفعل ما يشاء ، مما لا يشرّف وطنه - نعم ، قلت المحبة ، لاني اعلق عليها اهمية كبرى ؛ فالمحبة للغير تبعدنا عن الانانية الجامحة ، التي هي من اسباب تدهورنا ايضاً ، فنعيش في جو من التضامن ، وينتفي التعصب الطائفي فتسود الالفة بين مختلف العناصر ؛ وبالمحبة يقوم الموظف بواجبه على خير وجه ويخلص في خدمة مواطنيه ، والمحبة هي التي تحدو القاضي الى التزام سنن
العدل بين المتقاضين عنده ، وهي التي تصيّر التاجر قنوعاً راضياً بالربح المعقول ، فلا يحتكر السلع ليستثمر الفقراء والمتوسطين من معايشيه ولا يضطرهم الى محاربته والدس عليه . والمحبة هي التي تجعل ممثل الشعب ينظر الى جميع المواطنين نظرة الاب الرفيق لاولاده ، دون تفريق فيما بينهم ولا يسخّر نفوذه ، المستمد من الشعب ، لمصالحه الخاصة ولا يخالف الانظمة والقوانين التي سنّها وخطت سطورها بداه لخير المجتمع .
ومن الاسباب التي عملت ، ولا تزال تعمل ، على زيادة التدهور الاخلاقي ، « الفراغ » في حياة العديدين من الشبان الذين لا يعملون ، وأخص منهم المتعلمين وأنصاف المتعلمين الذين ضيّق عليهم الغرور فجعلهم يأنفون من تعاطي الاشغال اليدوية فقعدوا عن العمل واضاعوا اوقاتهم في اماكن افسدتهم وتدهورت فيها اخلاقهم ومرضت نفوسهم وباتوا عنصراً خطراً وجرثومة تنتقل عدواها الى سائر افراد الشعب فاشبهوا نبات البستان الطفيلي المؤذي للزرع النافع ، وفي كل هذا خطر على مستقبل النشء والوطن .
اما كيفية تلافي هذا الخطر فهناك
