منها ما يهز الاعصاب ويثير الضيق ، ومنها ما هو عادي ، هادئ ، وسلمت بيري وهرمان امر الاجابة على الرسائل ، وقراءتها ؛ وقد أقسم احد الكتاب الاوستراليين في رسالة له : انه قادم من بلاده لقتلي ... وأتبع رسالته الاولى دزينة ، وكلها تنطق باللهجة نفسها ؛ واضطرب بيري لان كاتب الرسائل لم يكن انساناً عادياً ، بل صاحب ثقافة ومكانة ؛ وهكذا حوّلنا الرسائل الى « سكوتلند يارد » كي يتحروا الأمر ... وكان عليّ ان اواجه الحقد والكراهية التي انصبت علي من كل صوب ، وكان الانكليز والاوستراليون أقسى من سواهم في الحكم عليّ ، وفي مهاجمتي .
واستمر دفق الرسائل التي لا يحصى لها عدّ ؛ حتى كدت اضيق بوجودي ، ولكن بيري هدأني بقوله : عليك ان تعتادي هذا كله يا واليس . وانتظري ما هو اعظم ولكن خذي الامور بجزم وهدوء .
وعلمت ان الدنيا كلها عاجزة عن مساعدتي ، وعلي ان اتعلم السيطرة على الامور . وقد تعلمت الكثير من الألم الذي مررت به ، والذي صهر كياني ووجودي ... وصدف ان كنت في صباح ، استعرض الرسائل كالعادة ، حين وقع بصري على رسالة بدا لي الخط عليها مألوفاً ؛ ولما فضضتها علمت انها من ارنست سيمبسون وقد جاء فيها :
لم يكن باستطاعتي ان اكتب قبل اليوم ؛ شعرت بعجز حيال ما صارت اليه الامور ، ولن اقول شيئاً سوى هذا ، غير اني اريد ان أومن بانك قادرة على منع المصيبة الاخيرة ؛ لقد كانت
افكاري معك خلال كل ما جرى .. وثقي بانه ليس هناك من أحس بجراحة امرك مثلي ؛ وشكراً للبينات القليلة التي تبقيني على صلة بعالمك الحالي ...
وفي رسالة اخرى قال :
وهل تبقى حياتك هي هي ؟ وهل بامكانك ان تستقري في الحياة الجديدة وتذكري هذه الامور وكأنها حلم مضى ؟ .. كلا يا صغيرتي ، لا يمكن ذلك ابداً ..
باختفاء الصحافيين ، اصبح بامكاني ان اخرج لأتجوّل في الحديقة ، واخرج احياناً مع كاترين وهارمان الى الضواحي ؛ وكانت العمة بيسي تزورني من يوم لآخر ؛ اما سومرست موم فقد دعاني لقضاء عيد الميلاد في « فيلا كاب فيرات » وكذلك تلقيت دعوات من الاصدقاء في ايطاليا وفرنسا ...
وكأني كنت في عاصفة ، تلاشت آثارها ، وبقيت وحدي ، اصرف الساعات في الليل والنهار ، احدق في الخلاء ، وافكر بالمستقبل ؛ وكنت اصوره سعيداً برغم كل ما يحيط بي من متاعب ... وفي بعض الاحيان كنت اعود بالذاكرة الى الايام التي قضيتها مع دافيد في القلعة ولم افكر خلالها بكل هذا الذي يجري الآن ، بل بالعكس ، كنت احسبها ستمتد حتى لا تنتهي ؛ ولكن ها هو المستقبل يتكشف عن شيء سواها ، فاذا انا ودافيد منفصلان ، كل في جزيرته ، يقاسي المشقة والوحدة ، حتى يتم اللقاء ، وذلك بعد ان احصل على اوراق طلاقي في اول ايار .
وعلمت من دافيد انه قد يحضر الى فرنسا ، فقد دعاه دوق « وستمنستر »
ليقيم في مسكن الصيد الذي يملكه في مقاطعة نورماندي ، وكان علي انا ، ان أبقى بعيدة عنه مدة ستة أشهر اي حتى احصل على ورقة الطلاق ؛ واحنيت رأسي للقانون الصارم ، وانتظرت .
لم يمض يوم واحد دون ان يتصل بي دافيد هاتفياً ؛ وكانت هذه المكالمات الوسيلة الوحيدة التي جعلتنا نشعر باننا ما نزال في عالم الوجود ؛ كان يكلمني في الساعة السابعة ، وصدف ان موضع « التلفون » كان ملاصقاً لغرفة المائدة ، فكان الخادم يعد المائدة وينسحب ريثما انهي حديثي .
كانت حالة دافيد أتعس من حالتي بكثير ، فقد أصبحت علاقته جافة حتى مع اخوته ؛ واستمرت امه تراسله ، ولكن اللهفة الاولى اضمحلت ، وكنت افكر بدوري ، وأحمل على النظم الملكية التي تقتل الطبيعة البشرية وما تتعرف اليه من حرية وانطلاق ، لتستبدل بها التقاليد ، والانظمة الجامدة ... حتى الملكة ماري التي كانت تحب ابنها البكر حتى العبادة ، نفضت من زوايا قلبها كل اثر لذلك الحب ... واذا بقي حبها ، فللشخص الذي كان ؛ اما انا فلم تكن تحسب اني موجودة في هذا العالم مطلقاً .
كان دافيد في النمسا يعيش في وحدته ، وراء الستار المخملي الذي اسدله بين شخصه والحياة الملكية ؛ وقد اذاع في بيانه للجمهور بانه سيعتزل الحياة العامة ، ولن يتدخل في قضايا الحكم بكثير او قليل ، ومع ذلك بقي الرجل البريطاني المستعد لخدمة بلاده واخيه ساعة تدعوه الحاجة الى تلك المساعدة .
