لم يدر ، في يوم من الايام ، بخلد باخ او معاصريه انه يمكن للموسيقى بدون كلمات ان تؤدي رسالتها تامة وتكون لها شخصية ذاتية واضحة المعالم . لهذا السبب بقي مؤلفو القرن الثامن عشر يتأرجحون في فكرتهم عن الاشكال او القوالب الموسيقية مثل السيمفونية ، السوناتا ، الكورتيت ، الخ . التي يجب ان تسكب فيها الموسيقى الجديدة . قلدوا في بادئ الامر الافتتاحية الموسيقية للأوبرا ، ثم وجدوا بالاختبار انه من الافضل ان تبدأ المقطوعات الموسيقية بفاتحة سريعة الحركة تتلوها حركة بطيئة رقيقة ثم تختتم بنهاية مثيرة ومفاجئة . وهكذا ابتدأت الحركة الثورية الجديدة - الموسيقى الكلاسيكية .
ولكن ماذا نعني بكلمة كلاسيكية بالنسبة للموسيقى ؟ في معناها الضيق نعني الموسيقى التي ألفت في الفترة الواقعة بين عام ١٧٩٠ - ١٨٢٠ وتشمل في مجموعها معظم ما ألفه هايدن وبيتهوفن ، وكل ما ألفه موزرت . اما في معناها العام فنعني بها الموسيقى الجدية ذات الاثر البعيد والتي اجتازت ، من حيث قيمتها ، امتحان الزمن بنجاح . عندما نستعمل كلمة كلاسيكية في هذا المقال اننا نشير الى الفترة التي جرب الفكر اثناءها ان يفوق مبادئ الجمال والتوازن والوضوح والكمال في الفن اليوناني . كان مركز هذه الحركة الجديدة مدينة فينا التي وفرت الجو المناسب والجمال الوافي والتشجيع الكافي والرزق الوفير امام الموسيقيين فأموها من كل حدب وصوب ، كل ينبغي المعرفة والشهرة والثروة والمجد .
اعلام هذه الفترة .
١ . هايدن ( ١٧٣٢ - ١٨٠٩ ) ولد في النمسا في قرية قريبة من فينا . اخذ مبادئ العزف والغناء عن والده . في الثامنة ذهب الى فينا ليتابع دروسه فأظهر مقدرة ونبوغاً في هذه السن المبكرة . وحدث في احدى المهرجانات ان تغيب ضارب الطبل عن الحضور فسأله استاذه ( هايدن ) ان يأخذ
مكان ضارب الطبل الاصيل بعد ان اوضح له طريقة ضرب الطبل. تستطيع ان تتصور كم كان منظراً مضحكاً عندما ظهر الصبي هايدن وهو يسير وراء الطبل الضخم ، الذي يحمله رجل على ظهره ، يضربه بكل حماس وانتظام .
ثم عمل هايدن في احدى الجوقات التي لم يلبث ان طرد منها لانه شد الشعر المستعار لاحد المغنين المتقدمين بالسن كان يجلس امامه . بعدها التحق بجوقة أخرى ما عتم ان تركها لان خللاً ما اصاب صوته فترك عمله وذهب ليعيش مع احد اصدقائه بعد ان سدت جميع سبل العيش في وجهه . وفي احدى الليالي بينما كان يسير مع رفقائه وهم يعزفون احدى المقطوعات من تأليف هايدن نفسه ، سمع العزف احد كتاب سناريو الاوبرا ، فأعجب باللحن . فسأل عن واضع اللحن ، فقيل له انه هايدن . فاستفسر ممن يكون هايدن هذا . فاجابه شاب نحيل القامة : انا هو ، يا سيدي . فللحال سأله الكاتب ان يوقع عقداً لتأليف موسيقى احدى الاوبرات . كان هايدن يومذاك في السابعة عشرة من عمره سنة ١٧٥٥ دعاه احد هواة الموسيقى البارون فون فورنبرج ليؤلف له واضعاً تحت تصرفه فرقته الموسيقية .


