– ثلاثة آحاد –
إنساناً صحيحاً يبصر ... فوجدت دنياي ورأيت الحياة وتأملت الربيع وكأنه يتفتح لي وحدي . لي انا الاعمى !!
لم يكن ادراكي للمرئيات صعباً لانني كنت ما زلت اذكرها . لكن شعوري نحوها تغير : اصبحت اتأمل ما اراه ولا أملّه . لقد رأيت الجمال في كل شيء : في الشمس ونورها في الجبال ... في التلال .. في البحار وفي كل ظاهرة من ظواهر الطبيعة . وكنت اشكر ربي مع كل شبة استرقها من الطبيعة ... ووجدت في شذى الربيع عبقاً اذكى ما كان عليه بالأمس ...
بعدها رحت أغمض عينيّ وافتحها ثانية لاستمتع بذرة السعادة التي نلتها بعد حرمان ..
وصحوت من فرحتي لأجد نفسي ضائعاً في هذه المدينة الكبيرة التي عرفت كل منعرجاتها بالأمس وطفقت اسأل المارة عن طريق الدير! .. وكنت في الماضي اسير عليها بسهولة ، فصرت اضحك من نفسي المبصرة العمياء في نفس الوقت ، أهكذا أضلّ طريقي بعد ان صرت مبصراً ! وأغمضت عينيّ لعلي بذلك استهدي بذاكرتي فقط .
فأسرعت الخطى الى الدير ويا ليتني لم افعل ! لقد تلاشى ما بناه خيالي في ايام الظلمة وهناك بحثت عن ليلى وعندما أعياني البحث رحت اناديها بأعلى صوتي :
– ليلى .. اين انت ، لقد عدت .. اني ابصر .. ليلى .. واخيراً وجدتها مختبئة في زاوية مظلمة ... وتأملتها طويلاً ..
وأحسست بألم الخيبة وانا ادفن أحلامي . لقد وجدتها ، ويا للأسف ، دمية بشعة .. كانت مترهلة ، صغيرة الرأس وعلى جبينها الضيق آثار حروق وبالاختصار كانت صورة مضحكة !
وتركتها بعد ان ضجت الغرفة بضحكاتي الساخرة وذهبت الى المطبخ آملاً ان أحقق هناك بعض تصوّراتي . ولكنني وجدت الطباخ حسن في شكل لا ينسجم مطلقاً مع الصورة التي رسمتها له . لقد كان هو الآخر بشعاً أيضاً . وعدت الى غرفتي أجر ورائي الخيبة والأسى وأعجب لهذا الدير الذي لم يؤو إلا البشاعة ..
وفي صباح اليوم الثاني ذهبت الى الساحة لأشاهد الرسوم التي صنعتها وأنا اعمى .. فوجدت في تلك الصور مجالاً آخر للسخرية ، كانت الصلبان مائلة وغير متناسقة . اما درجات السلم التي آمنت يوماً اني سأصعد عليها الى السماء ... فكانت مضحكة جداً أشبه بدرجات سلم الاطفائية المصنوعة من الحبال !
ومضت ايام تعوّدت بعدها على رؤية الأشياء وصرت كأني إنسان آخر . ولم تعد الطبيعة تدهشني ولا الجمال يسحرني ... وفي احدى الأمسيات جئت الدير وكان الكل نياماً .. فدلفت الى غرفتي وهناك فوق وسادتي وجدت رسالة من ليلى تقول فيها :
عزيزي سامي
إنني الآن أبعدُ عنك ما كنت عليه في حياتي فأنا لا أخشى أثر رسالتي عليك ...
لقد إنتشلتني بالامس من العدم وأنا لست نائمة او جاحدة للماضي . اما اليوم
فقد صرت بعيداً وبعيداً جداً عن دنياي ..
دنياك كريمة يا عزيزي! دنياك هي الأنانية وقد رأيت ذلك في تغيّرك عندما عشتها . وكما ترى اني أناقض نفسي فأنا أحب إنساناً يحيا في دنيا أكرهها ... انت قطعة من تلك الحياة الخاوية ويا ليتك لم ترها ! .
لا تعجب فلقد طلبت في صلواتي ان يأخذ الله منك هذا الشيء البشع ... النظر . ولو تأملت نفسك الآن لادركت ما اعني .. انك الحياة الفارغة اما نحن فإننا نرى ما نريد ان نراه على حقيقته . إنني أراك نبيلاً ، شجاعاً ، مرحاً ، اما انت فقد كان حكمك على شكلي !! لا .. لا تمزق هذه الورقة بعد ... لقد حاولت المستحيل كي أرى ، آملة بذلك ان اكرهك مثلما كرهتني .. ولكنني لم أنجح ، فقد حرمني الطبيب أملي الوحيد ، وهو النظر اليك بينما وهبك رؤية كل الوجود ... وشعرت بالأسى يتسرب الى نفسي .. وبعدها فرحت لمرضي وانا ابكي حياتك ... لا ! لا تعترض ، تذكر قول المسيح :
« لو كنتم عمياناً ، لما كانت لكم خطيئة » ،
أما انت ، فقد كنت بالامس بلا شريعة وكنت تحيا . وعندما أتت الوصية ، عاشت الخطيئة ومتّ انت . اما أنا فوهبني الله هدية الحياة وجعلتني أظنها ناقصة فأغفر لي الهي ..
بكيت ذلك المساء وكانت دموعي حارة لانني لم اكن قد ذرفتها منذ استعدت حاسة البصر ... وفي الصباح
