أخبرتنا جورجيت وهي تقدم لنا طعام الغداء ، إن في نيتها ترك المطعم الصغير بجوار حديقة اللكسمبور ... إلى مطعم «مدام بوده» - بولڤار راسباي عند قرنة شارع « ليوبولد روبرت » .
تداولت مع جبران في الأمر وقرّ رأينا على أن هذا المطعم الأخير يوافقنا نحن أيضاً ، فهو في منتصف الطريق بين محلّينا وقريب من المعاهد الفنية الحرة .
كنا في مستهل الصيف ، وقد صُفّت بعض الطاولات على الرصيف العريض أمام المطعم ، تحيطها الخضرة والزهر ، فنجلس حولها وكأننا وسط حديقة ..
ومطعم مدام بوده هذا كان أول مطعم في الحي اللاتيني مصمّم حسب الزي الحديث . أي أنه - فنياً - خرج عن مفهوم الزي الكلاسيكي الذي كان ما يزال شائعاً ، فخطوط البراويز الخشبية ومكتب المديرة والأبواب والنوافذ - كلها بدلاً من أن تكون مستقيمة بسيطة ، اتخذت أشكالاً متعرجة تنتهي في شبه أوراق كبيرة وتزاويق غريبة - من وحي الثورة الفنية ولا شك .
أما « زي » مدام بوده نفسها فلم تمسه الثورة ... لقد حافظت على كلاسيكيتها ، نقية ، خالية من كل شائبة ... واحتفظت ، وهي في الخمسين بهامة مليئة ضخمة ، ووجه مستدير يحيط به شعر أبيض يملس إلى الخلف ، وعينين حادّتين كعيني نسر ، لا سيما عندما تحدق إلى البعيد أو عندما تشير بأصبعها منبهة إحدى الخادمات إلى أمر ما ... كنا أنا وجبران عندما نمر بها ونسلم باحترام ، تبتسم لنا بحنان أم ... ولا

عجب فقد كنا من الزبائن المرموقين ، ففي حين كان الزبائن العاديون يدفعون «بخشيش» الخادمة خمسة سنتيمات كنا نحن ندفع عشرة ... كان الخدم يهمسون فيما بينهم بأننا أمراء من لبنان ... وتتسارع جورجيت عندما تلجأنا إلى حجز أحسن طاولة وتلفت نظرنا إلى


الأصناف الجيدة على قائمة الطعام وتميزنا في المعاملة عن جميع الزبائن ، فنطمئن إلى هذا الالتفات الخاص وإلى هذا التمييز الذي يرفعنا عن سوانا ... كان ثمن وقعة الطعام في تلك الأيام المباركة ، مهما عزت وغلت لا يبلغ الفرنكين !..
وهكذا كنا في مطعم مدام بوده مكرمين معززين ، نجلس كأمراء عن حق ونتجاذب الأحاديث والمناقشات كما يحلو لنا ، فنتطاول بجرأة إلى طرق وتحليل الآمال الكبيرة ، ونتطرق إلى الجزئيات التافهة الصغيرة ، على السواء..
وحيناً ، عندما لا نجد في نفسنا ميلاً إلى العمل في المعهد الفني ، ولا يكون جبران على موعد كان يطيب لنا التنزه في بولڤار مونبارناس ، نتمشى على الأقدام حتى نصل ذلك الركن ، حيث يقوم مقهى «الليلا» - هناك كنا نشرب فنجان قهوة متأملين بإعجاب تمثال المارشال «ناي» شاهراً سيفه « إلى الأمام » صنع النحات « رود » ... ثم نتقدم إلى حديقة « الأبزرڤاتوار » ونتخطر حول البركة الجميلة رافعين أنظارنا بدهشة الأطفال إلى تماثيل القارات الأربع صنع النحات «كاربو» - نساء أربع ، كل امرأة تمثل إحدى القارات الأربع بشكلها وملامحها - وكلهن جميلات عاريات يحملن ، بحركات لطيفة ، الكرة الأرضية إلى فوق - رائعة فنية عن حق ! وحولها تتدفق المياه من كل صوب ... والأشجار الغضة الدائمة الخضرة تظلل جانبي الطريق الفسيح ... لا يرتفع ذوق على الذوق الفرنسي ! - «نحن في باريس !» كان جبران يهتف من فرط غبطته والبهجة !
أغض عيني الآن وما أسرع ما تمثّل صورة جبران في خاطري : بابتسامته الحنونة ورنة صوته الدافئ وحركة يده المعبّرة ، وأصابعه المتسائلة أبداً ... كأني وإياه سائران في طريقنا إلى حديقة اللكسمبور ... نعرج إلى الشمال ونجلس على السطح المشرف على القصر وعلى قسم من الحديقة ... كأنني الآن أسمع صدى
