صوت جبران في اذني :
ـ نحن في باريس يا يوسف ! . في هذه الحديقة الغناء ، امامنا على هذه الطريق سارت اقدام الكثيرين من العلماء العظام والفنانين الكبار ... أحس أنفاس بوفي دي شافان وكاربار وبلزاك والفرد ده موسه وفكتور هوغو وباستور وكوري وتان ورينان ... يخيّل الي انني اتبين آثار اقدامهم على هذه الطريق !! ..
ـ و« الملهمات » الا تترأى لك آثار اقدامهن الطرية ؟ اقدام الانسة اولغا مثلاً ؟!
يبسم جبران بسمته الرقيقة ، ويغمض عينيه عني ، نصف غصة ، فاتركه مستغرقاً في التفكير بالرجال العظام ... وانصرف انا الى التفكير بالملهمات ! ..
بعد سكوت طويل يسألني جبران : ما قولك بزيارة الست جنفياف ما دمنا على مقربة منها ؟ من زمان لم ارها وانا مشتاق الى طلتها ...
لا نلبث ان نخرج من الحديقة ونمشي في اتجاه شارع « شوفلو » حتى تلوح امام اعيننا الخطوط الفخمة لهيكل « البانطيون » الذي بناه المهندس « سوفلو » قبيل الثورة ... الله ! كيف قام هيكل فوق هيكل وجثمت القبة فوق الهيكلين ! على اطلال كنيسة قديمة للقديسة جنفياف اقيم هذا المعبد لشفيعة الشعب الباريسي . وقد جعل في ايام الثورة الكبرى ملجأ يأوي اليه اعظم الرجال وسمي البانطيون وكتب على واجهته « يشكر الوطن رجاله العظام » . ولما انتهت الثورة اعيد كنيسة ... وارجعته مؤخراً الجمهورية الفرنسية مقراً للرجال العظام ... وها نحن ندخله الان وكأننا ندخل مقر العظمة والفخامة ..
اول ما قصدنا صورة القديسة جنفياف صنع المصور « بوفي دي شافان » والتي كان جبران شديد الاعجاب بها ... ها هي واقفة بقامتها الهيفاء ، على الشرفة امام غرفتها .. على رأسها شال ابيض امسكت احد طرفيه باليد ، والقت اليد الثانية على الحائط . انها في ضوء القمر ساهرة يقظى ، على المدينة الراقدة وعلى سكانها - تحفة فنية خالدة !! هذه المرأة هدأت ، ذات يوم ، روع سكان باريس وهم يرتجفون هلعاً لاقتراب جنود البرابرة - جنود اقيلا ! الذي تمكن في اواسط القرن الخامس من التغلب على الاباطرة الرومانيين في الشرق والغرب ... اكتسح البلدان وتركها خراباً ، واحتل فرنسا حتى ابواب باريس وقد قيل عنه : « لم يكن العشب ينبت حيث تمر اقدام خيله » !!! واتجه نحو باريس واشرف على سورها ... وها هي جنفياف تلاقيه خارج السور وتقف في وجهه وتكلمه ... ماذا قالت له ؟ اية لغة تكلمت ؟ كيف كانت رنة صوتها ؟ كيف كانت نظراتها ؟ حتى اقتنع اقيلا الهائل بتحويل رأس حصانه وبالابتعاد عن باريس ! ..
قال جبران بتأثر : - هل من طمأنينة ارحب واعمق مما على وجهها ؟!
واكملت وانا اهز رأسي موافقاً لا رافعاً نظري عن اللوحة : - هكذا فليكن التصوير والا فلا !
رحنا بعد ذلك نتأمل صورة ثانية على طول الحائط تمثل موت القديسة وهي تبارك الحضور ، صنع ج. ب. لورنس - هنا النوع الكلاسيكي بكل معنى الكلمة ! بارد ، يبعث على التثاؤب والنعاس ... بلا روح .. وخطر لي قول مأثور : « الجمال الكامل لا يختص بمدرسة معينة .. هو شعور الفنان المخلص يتجلى ببساطه ... انه السهل الممتنع ! »
قال جبران : انا كما قلت لك مراراً يا يوسف ، لم اتذوق فن المعلم لورنس حتى اني كثيراً ما اشعر بمقته ... اريد ان اكون حراً بنوعي الخاص ! قلت له : وانا كذلك .
وسمعنا الدليل ينادي باعلى صوته : « باب الكهف مفتوح ! من يرغب في زيارة الكهف ؟ ! »
نزلنا مع النازلين ، فوقف الدليل على مرتفع صغير واشار باصبعه الى ضريح وقال بلهجة ببغائية عالية : « هنا يرقد فولتير : فيلسوف كبير . كاتب كبير . شاعر كبير .. »
ثم اشار الى ضريح ثان : « هنا يرقد جان جاك روسو ، كاتب كبير . مفكر كبير .. »

