إن « الكونت واللايدي » هما « عبارة » لم يتزعزع حبهما ، بل ازداد قوة وامتلك عليهما لبيهما . وتبين بعدئذ أنها من طبيعة واحدة ولهما ميول مشتركة ، أهمها التجارة . وسينصرفان إليها بعد الزواج الذي سيتم قريباً .
كنت أصغي إلى حديث الأنسة سوسان باهتمام وذهول ، وقبل أن أفتح فمي للتعليق بشيء استأنفت هي الكلام وبنشاط أشد :
— لمناسبة زواج كالي سنقيم حفلة عائلية في بيتنا ، وأنت بين المدعوين ، شرط أن تقنع صديقك جبران بحضور الحفلة وإلا ماتت ليا كمداً وغماً . هي الآن مشغولة مع أمي بصنع بعض الحلويات وتحضيرها للمناسبة وفي نيتي أنا بعد ذلك السفر إلى الصين لأننا ربما أنشأنا في باريس محلاً تجارياً بالاتفاق مع محل لندن . هذه على الأقل رغبة استير .. حبذا لو تسمع مني ونسافر معاً ! الفنون ، صدقني ، لا تطعم خبزاً !
— ومن قال لك يا صديقتي أن غايتي في الحياة جمع الفلوس ؟ أنا وجبران نستعد للسفر قريباً إلى اسطنبول وأثينا وروما ...
— عجيب أمركما أنتما الاثنين ! لا أفهم الفائدة من وراء مثل هذه الرحلة سوى أنها تضييع وقت !

قال لي جبران عندما نقلت له بعض حديث الأنسة سوسان عن الدعوة إلى العرس :
الوسط يهودي ما لا أرتاح إليه كما تعلم ، وأخشى أن نحس فيه كغرباء . مع ذلك هي « ليلة يا مكاري » وليا
تستأهل بعض التضحية ، ومدام كالي تتكلم الانكليزية . لا بأس . نذهب . فقط تبقى الهدية فهل يجوز أن نذهب إلى الحفلة نطوطح أيدينا الفارغة ؟
قطعت على جبران مجرى حديثه ، وطمأنته بأن حضورنا هدية .. وزيادة !
كنا عشرة أشخاص حول المائدة العامرة بكل ما لذ وطاب ، وبعد الأكل والشرب والموسيقى والرقص العائلي ، عملت سوسان إشارة فساد السكوت .
قالت :
— سنختم هذه الحفلة أيها السادة بمسابقة للحصول على هذه الهدية .
وأومأت إلى علبة مخملية حمراء على الطاولة قرب الشمعدان ذي السبع شمعات قائلة :
— هي لمن يخبر أطرف قصة ... وسأسحب على التوالي أسماء ثلاثة من الحضور ولم يكن في الكيس (أو بالأحرى في يد سوسان سوى ثلاثة أسماء بناء على تعليماتي السابقة لها !)
سحبت أولاً اسم شاب روماني أخبر قصة باللغة الرومانية أضحكت من فهمها ، ثم سحبت اسم «ليا» فروت في الحال قصة يهودي أضحكت الجميع ، ثم سحبت الورقة الأخيرة وأعلنت اسم «جبران» ! فالتفت الحضور صوبه بأعناق مشرئبة وصفقوا له على سبيل التشجيع . ارتبك جبران وتطلع إليّ بعينين مبغوتتين ، فقلت له بالعربية مشجعاً :
— جاء دور جدك المقدام . ألم يفعل في حياته فعلة بطولية ؟ لا بد أن عندك من حكايات جدك أطرف القصص !
وألحت عليه مدام كالي ، بالانكليزية وحثته . ولما وجد جبران نفسه تجاه أمر
يا بحرنا !
أيهذا البحر !
يا بحرنا الأزرق
أنت أول من يجيئني كل فجر
منطرحاً على مدى النظر
رمزاً للعظمة والجلال السرمدي .

أحبك في الشتاء
تصارع السيول والأنواء
نافثاً جدائلك المرسلة ، ثائراً مجنوناً
أي همّ يعصب جبينك ، أي غضب ،
يقلب دنياك المترامية ، رأساً على عقب ؟
لأنت الطائش البطاش لا يأبه ولا يرحم
ترفع الجبال وتهدرها ،
تطغى وتزبد وتفور
لا تعي ، لا ترى ولا تسمع
في الظلمة أو في النور !

وفي الربيع أحبك يا بحر
مرآة المحبين ، في زوارقهم الخشبية الأنيقة
تداعب ظلالهم الولهى في رفق ،
تكتم همسات نجواهم ،
وتلحّن أغاني شوقهم ،
رفيقهم الأمين أنت ،
حتى تنعس وتنام ، نجمة الصبح !

وأحبك في الصيف
صدراً رحيباً يلوذ به
الضائقون حرّاً وسأماً
تبدّل حرم طراوة ، وسأمهم بهجة وأنساً
عند قدميك العاريتين يعبثون ويجرحون
فتحمل أعباء همومهم ... إلى البعيد
عند خط الأفق الأحمر !

وفي الخريف أحبك ، يا بحرنا
ساجياً تياهاً في ترف الزرقة الصافية
الله ! أي فنان ماهر
مسح وجهك بلون الفيروز النقي ؟
تغازلك الصبا ، فتنعطف وتغنج
بكل ما في الجميل من قدرة على الغنج
حتى لكأن الحسن كله تجمع لك وحدك!

أحبك أيهذا البحر ،
وجميل أنت دائماً ،
أما في الخريف ،
فأنت في عيني ، الأجمل
يا بحرنا الأزرق !
أفروديت