كانت مادلين فرح في القاهرة ، إبان فترة الاستعداد ، تعمل سكرتيرة في السفارة الأميركية ، وصادفت عودتها إلى واشنطن غداة « يوم العمل » ولم تكن تدري أنها كانت بين المرشحات للعرش ! والواقع أن أملها بالفوز كان ضئيلاً لا سيما وأن الجائزة المعلن عنها من قبل « المجلة اللبنانية الأميركية » هي رحلة مرتجعة بالطائرة إلى لبنان ، ولم يكن قد مرّ على زيارتها لبنان أكثر من شهر ... وفكرت بأن هذه الفرصة السعيدة لن تفسح لها بسهولة ، والمجال أمام سواها أوسع ...
... وأزفت الساعة ، واستولى على مادلين شيء من الخوف لأنها كانت وحدها في هذا الخضم من الجموع ... لم يكن أحد من ذويها في رفقتها ، فالمسافة بين ولايتي أوريغون وبروفيدنس رود أيلاند كبيرة ، ووالداها وأخوتها الثلاثة الكبار يعملون في التجارة بأوريغون ، في حين جرت المهرجانات هذا العام في بروفيدنس رود أيلاند ...
وكان على المشتركات العشر في المباراة أن يستعرضن بالمايوهات ويخطرن على منصة اصطفّ حولها الحكم والجماهير الغفيرة في عاصفة من التصفيق والهتافات المدوية ... ولم تعلن النتائج إلا بعد منتصف الليل ، في حفلة راقصة كبرى جرت العادة أن يختتم المهرجان بها ...
وكانت مادلين فرح في تلك الأثناء رهن التعب والإعياء ، وأصابها ما يشبه الدهشة والذهول عندما أعلن اسمها وحده .. وتوّجت « ملكة جمال أميركا ! » من أصل لبناني . وطارت بعد أيام إلى بيروت لتستمتع بجائزتها عن حق ونزلت أسبوعين ضيفة عزيزة مكرّمة في فندق بلازا ...
وبعد انقضاء الأسبوعين ، تنقلت الشابة الحسناء بين الأخوال والأعمام والأصدقاء ، ودعت إلى مؤتمر صحفي تحدثت فيه بالعربية والإنكليزية والفرنسية ، لأن مادلين فرح تجيد عدا هذه اللغات ، اللغة الإسبانية . وسبب تعرّفها إلى العربية راجع إلى أنها ، أثناء طفولتها ، أمضت عشر سنين مع والدتها في لبنان ، تعلمت خلالها العربية والفرنسية ، وهي تحب اللغات وحال عودتها إلى أميركا أواخر ت٢ الماضي ستستأنف دراستها الجامعية وربما تخصصت باللغات .
واغتنمت الإذاعات العربية فرصة وجود الآنسة فرح في بيروت وقد قدمت من الإذاعة اللبنانية ومن الإذاعة البريطانية وإذاعة باريس . وأبدت رغبة في التعرف إلى فيروز ، وقد فتنتها شخصيتها وسُرّت كثيراً بالزيارة لأنها بدلت الصورة الشوهاء التي علقت في مخيلتها عن صاحبة أجمل صوت سمعته حتى الآن !
ومادلين ، خلافاً للجيل الجديد الذي ولد وترعرع في المهجر ، تحب العودة نهائياً إلى وطنها الأول لبنان ، وتكون جد سعيدة ، إذا التقت أمير أحلامها في هذه الربوع ، أن تتزوج في لبنان وتستقر ، لكن أحداً من المعجبين بها ، حتى الآن لم يلامس أوتار قلبها ، وهي ، ككل فتاة عصرية تطمح في أن يكون رجلها ذا شخصية فذة ، واسع الثقافة ، نيّر العقل ... أما المال فهو بالنسبة إليها شيء ثانوي ..
بقي أن أهمس في آذان الفتيات المعاصرات بأن مادلين فرح لا تدخن ولا تتعاطى المشروبات الروحية وتخيط فساتينها بنفسها ، وربة منزل من الطراز الأول . وكلما عادت إلى البيت في أجازاتها
خفّت إلى مخزن والديها لمساعدة إخوتها في البيع والشراء ...
عندنا كثير من الجميلات ... ربما يكون عندنا أجمل من مادلين فرح ، لكن أشك أن يكون لجميلاتنا صفاتها من التواضع والبساطة وحب العمل والمحافظة على التقاليد ...

وداع
ما بال الغروب كئيب الوجه أغبر
ساجياً في الدموع الحُمر
أهي دموع اللوعة ،
سكبها رفيقه البحر
على أعتاب الشفق
قرباناً لعين حبيبته الراحلة ؟
والصدى الأمين رجّع للشمس
زفرات البحر الهيمان وحرّ نجواه
« أية أنثى ستنادمني بعدك ،
تترنح في حضني ، مشوقة وهي :
تلفني بشعرها الذهبي
وتطويني بذراعين
أندى من الصبح وأطرى ؟
من بعدك سيهدهد وجدي الهدّار
ويعطره بالبخور والنار ؟
من سينثر على شفاه الموج
رذاذ الحب المباح
والضحكة الرقراقة الفتوج ؟
من سيضاجعني ، يا حبيبتي ، كما ضاجعتني -
يخطفني من خمر أنفاسك خدر
وترغل الشهوة الحمراء
معربدة في عروقي ؟»
وتهادت الشمس بذل
.. وغابت صفحة خدها المفرّج
في مستنقع من الدم ...
وزحفت العتمة على الكون
ودثرته بوشاحها الأسود
والبحر سلا ونام
وخمدت زفراته
وضاعت مع مدّه نجواه !
