- الاستقرار بعد العاصفة -
لقد اراحني الاستقرار الذي بدا على دافيد في حياته الجديدة ، حتى كان يخيل الي انه لا يحس مطلقاً بكل المضايقات التي تواجهه من جراء هذا التبدل في معيشته ؛ وقد سرّ وضعه هذا الملك الاسباني السابق ، الفونسو ، الذي كان يصرف بضعة ايام في فندق مجاور ..
لقد تزوج الملك الفونسو ابنة عم دافيد الاميرة فكتوريا اوجين ، وقد زار دافيد البلاط الاسباني عندما كان امير ويلسن ؛ كان ذلك في عهد الملك ، الذي اضاع عرشه منذ ست سنوات ، وكان آخر سلالة اسرة « بوربون » ...
وقبل الفونسو دعوتنا ذات مساء للعشاء في القصر ، وفي اثناء السهرة نظر الفونسو الى دافيد وقال مبتسما : لن يكون موقف بلاطات اوروبا مستحباً من قضيتنا ، دعني اخبرك هذه الحكاية : قبل سنوات ، وكنت لا ازال على عرشي تعودت ان اقوم بزيارة سنوية الى انكلترا ، وكنت اعشق الرياضة واراقب حفلاتها الكبرى بشوق ؛ وكانت اللجنة الرياضية تحجز لي مكاناً في جناح الاسرة الملكية ؛ وبعد مرور سنتين على الثورة الاسبانية ذهبت الى انكلترا ، وفي نيتي
ان احضر المباراة الرياضية ؛ وقد كانت اللجنة طيبة فخصتني ببطاقة تخولني الدخول الى الجناح الملكي ؛ وفي اثناء اللعب ، تقدم مني احد المشرفين على الحفلة ، وطلب بكل تأدب ان ارجع الى المقعد الخلفي ، واخلي مكاني لاحد افراد الاسرة المالكة ... وبعد قليل عاد من جديد ليطلب مني ان اعود ايضاً الى الوراء .. والحق اقول . لم اكن ادري يا دافيد ان في عائلتك هذا العدد الكبير حتى رأيت نفسي في المقعد الاخير ...
وضحك دافيد ، وهو يردد : « هذا ما يعنونه بقذف المرء الى اعلى السلم ... »
قررنا ان نعود الى باريس ، بعد ان تجولنا في النمسا ، وجوارها ، واستأجرنا شقة في اوتيل موريس ، حتى نبحث عن مسكن ملائم ، ووقعنا في مشكلة ، فقد كان دافيد يفضل الريف ، بينما احب انا حياة المدينة ..
وفي وسط هذه الحيرة اطل علينا شارل بيدو ، ومعه مشروع جديد عرضه على دافيد ، ويتعلق بمشروع بناء مساكن في المانيا ، واكد له الصديق بان هذا العمل لا يتعلق مطلقاً بالدعاية النازية المنتشرة في تلك الفترة ... ولم يكترث هو ايضاً لهذه الناحية اذ لم يعد في وضع
يحظر عليه زيارة اي بلد يشاء ... ولم يحسب ان رحلة مثل هذه سوف تؤول في المستقبل ضده .
سافرنا الى برلين في اوائل شهر تشرين الثاني .
وظهر لنا ان الحكومة البريطانية لم تتعرف الى ما تقوم به من الحركات ، بدا لنا ذلك ساعة وصلنا ارض المانيا ...
وقد ارسل السفير ملاحظة يؤكد فيها انه تسلم من الحكومة البريطانية تعليمات خاصة ، بالا يعترف بوجودنا هنا رسمياً .. وفي اثناء الزيارة تعرفنا الى قادة الحركة النازية ، ودعانا هتلر الى غداء ... وفي هذه الفترة طلب الاختلاء بدافيد مدة نصف ساعة امتدت الى ساعة ثم عاد الاثنان وهما يدمدمان باللهجة الالمانية .. لم ارفع نظري عن هتلر ، بلباسه الرسمي الداكن ووجهه الذي قلما ينبسط .. كان شكله من اغرب ما وقعت عليه عيناي : يدان طويلتان قويتان وانامل اشبه بانامل الموسيقيين : وعينان تبرقان بغرابة مدهشة ، كأنما بداخلها اتون نار يتأجج .. وقد ذكرتني نظراته كمال اتاتورك ؛ ولاحظت انه اتجه بعينيه نحوي مرتين وفي كل مرة كنت اجيب على النظرة ، فيشيح بنظراته عني ، مما جعلني احس ان هذا الرجل الغريب لا يكترث للنساء ..
وعندما اختليت بدافيد سألته اذا كان الحديث مشوقا فأكد ذلك ، وانه لم يدخل في حديث سياسي مع هتلر ، بل كان معظم الوقت يصغي اليه والى الخطط التي يحضرها لالمانيا الحديثة ..
عدنا الى باريس بعد ان قررنا ان


