كان الشارع العريض اكثر ازدحاماً من المعتاد .. صفوف من سيارات « الباص » بعضها وراء بعض .. والنور المؤشر يتغير من الاحمر الى الاخضر فالاحمر ثانية دون ان يخف الزحام فكأن سيلاً من البشر يتدفق .
وكانت كارن كالضائعة .. لقد صرفت الكثير على ما اسمته اختها دورتا « ميلاداً خاصاً » .. ولم يبق لديها سوى ثمن بطاقة العودة الى المنزل .. « الميلاد الخاص .. انها تعني ان كليف كارلوب سيطلب يدها .
آه لو وُجد هنالك غير كليف ولكن من اين ؟ .. ان منزلهما في سوسكس لم يكن مفتوحاً للعزاب .. ومزرعة الزهور قد ذبلت مؤخراً بعد ان فتكت بها الحشرات والبرد المبكر .. اما زهرات الاوركيد فكم تغيرت !
ووقف « الباص » من جديد .. وقفز منه اناس احمرت انوفهم من البرد .. وفكرت كارن : سأتأخر في العودة وهناك الديك الرومي ليُعد .. وتزيين الكنيسة ..
الديك الرومي لكليف ؟ .. وكأنما تمتمت الكلمات بصوت سمعه الرجل الجالس بجانبها فنظر اليها .. جمال هادئ .. خدان مستديران .. وشعر اشقر نائم تحت قبعة صغيرة حمراء كالكرز .
وقالت لنفسها : هنالك دقائق .. وسأعنون فيها بطاقات الميلاد .. وجاهدت حتى اخرجتها مع القلم من حقيبتها .
ووقف « الباص » ثانية فسقطت البطاقات .. وانحنى الرجل الجالس بجوارها فجمعها بأدب فشكرته .. وبلمحة وثب قلبها بجنون ..
مايك اندرسون ! . ايمكن هذا ؟ .. انه في روديسيا فهل عاد ؟ .. لقد تلامس كفاهما ويداه السمراوان بجانبها ..
ولم يعرفها ولا عجب .. لقد كانت طفلة عندما رآها آخر مرة .. تلميذة تستعد للامتحان الذي رسبت فيه .. وكان
يومئذ غارقاً حتى اذنيه بحب دورتا اختها .
كانت هي تحبه بقلبها الصغير .. وكان يكفي ان يقول لها : « هالو كارن » ! حتى يهتز كيانها .
تذكرت الماضي وكيف كانت تختلف عن دورتا بكل شيء حتى في الاشياء الصغيرة .. تقتل دورتا قتلاً الحشرات التي تفتك بالازاهير .. بينما تسرع هي لتنقذ حياتها فتسرحها بعيداً عن نظر شقيقتها .
ولقد احبت امها مايك .. وكانت حزينة عندما ابعدته دورتا عنها .. ولم تحب الام ولا احب الاب كليف .. انما لقد مات كلاهما .. قتلا في ليلة الميلاد في حادث سيارة .. وكان ذلك سبباً آخر في ان الميلاد لم يعد سعيداً منذ ذلك الحادث .
ونظرت ثانية - خلسة - الى الرجل بجانبها وفكرت .. لقد مضى كل ذلك . ولقد تغلبت هي على عواطفها ومع ذلك فكم هو جميل .. الشعر الاسمر فوق الجبهة العريضة .. الانف .. الفم .. الثياب التي تقول بصراحة انها على جسم رجل ناجح .. هل تعرّفه بنفسها ؟ هل تقول له انها شقيقة دورتا ؟ .. انه لا يعلم طبعاً انهما تركا نورفلك بعد وفاة والديهما ..
ولكن لعله قد تزوج .. او لعله على موعد مع حبيبة ليعلنا خطبتهما في ليلة الميلاد .
ان له اختاً متزوجة ولا شك انه ذاهب اليها .. الا ليت دورتا تراه .. انها عندئذ - وبعد خمس سنوات تعقلت خلالها - لن تهب كليف فرصة العمر .
وكان ينظر الى البطاقات على حجرها .. وخطرت لها فكرة مباغتة .. وبسرعة ابتدأت تعنون البطاقات .. الاولى الى عم لها في سكوتلاند .. الثانية الى زميلة في الدراسة .. وتمهلت عند الثالثة ثم كتبت ببطء . مس دورتا فيلدنج .. مزرعة ازاهير شوم .. بريجتون .. وتمهلت ثانية قبل ان تغلق البطاقة ..

