
الاحيان ، وتزلزل بثوراتها ، كياننا ؛ وكانت ثوراتي من النوع الهادئ الصامت ، وقد يشتد عصفها في احيان كثيرة فاعجز عن لجمها ؛ غير انها بقيت من احب الامور الى نفسي ، فهي انيستي في وحدتي ، وعزائي في ضيقي ...
وكانت ثوراتي تزداد بعد العودة من نزهاتي على شاطئ البحر ، فانا احب البحر ؛ احبه في صفاء الصيف ، وبسمات الربيع وعبوس الخريف ، وثورات الشتاء ؛ احبه في كل تقلباته ، وكم مرة عدوت تحت السيل لكي أحسّ ثورات امواجه في نفسي واعيش فترة صراعه مع العاصفة ؛ وكانت تلك النزهات تفيدني كثيراً ، فاعود وقد اغتسلت نفسي وتطهرت عيناي ، فارتمي فوق سريري أرتاح ، واتأمل اثاث الغرفة حولي ، والجسد المنهوك فوق الاغطية ؛ جسد الانثى الذي كنت اتجاهله تماماً ، فلا ازينه بالاثواب الجميلة كما تفعل زميلاتي في المكتب ، واذا حدث ولاحظت الانوثة في جسدي ، كنت انزع الفكرة بحذر وخوف ، وكان خوفي ينقلب الى شعور غامض ، حين احسّ نشاط الشباب في عروقي ، واصارع للتخلص من المعركة ، فاثب من سريري وافتح النافذة ثم انصرف لتأمل المارة ... وكانت الثورة تبلغ من الخطورة حداً يرعبني ، حين افكر ان هذا الجسد سائر الى الذبول ؛ وبعد اعوام قليلة يصبح خرقة مجعدة ، لا يلحظ وجودها احد ... ، وانا حتى الآن ، وفي ريعان شبابي ، لا الفت انتباه احد ، وكان هذا يزيدني انكماشاً على نفسي ، واعتصاماً بعزلتي ...
وعادل ، لا اعلم ما الذي جذب عادلاً اليّ ؟ أجسدي الهزيل ؟ ام وجهي العادي ؟ .. ان وجهي ايضاً غير جذاب ، فعيناي تفقدان بريق الانوثة خلف طبقة
زجاجية كثيفة ، ولون وجهي لا يجذب الرجال ، ولا فيه عضو يمكن ان اشير اليه واقول : هنا يكمن الجمال ...
انني فتاة عادية جداً ، ومع ذلك فقد ربحت صديقاً ، وبطريقة غريبة .
كنت اقوم باحدى نزهاتي على شاطئ البحر ، وخطر ببالي ان استلقي لحظة فوق الرمال ؛ وفجأة ظهر امامي شاب فارع القوام ، جذاب الملامح ، وعلى جانب كبير من الجرأة والثقة بالنفس ، وقد دفعته جرأته ليجلس بجانبي ويبدأ بسرد الاحاديث ...
لا ازال اذكر الاشياء السخيفة التي تحدثنا عنها ، ولكنها كانت في تلك الآونة هامة جداً بالنسبة لكلينا ، وكنت اقرأ في حديث عادل قصتي انا ، قصة وحدتي وغربتي في هذا العالم ، وحكاية صراعي مع الحياة ؛ والآن اتساءل لم كنت اصغي اليه ، واحادثه بشغف ، وكأنني امام ساحر غريب ؟ ..
حدث ذلك قبل بضعة اشهر ، ولم ينقطع عادل عن مكالمتي ، وكان احياناً يرافقني الى مقهى او مطعم فنجلس نأكل ونتحدث عن كل شيء ؛ نبحث اصناف المآكل وانواع البشر ، وفلسفة الحياة ، وقد اخرجني من عزلتي باسلوب لطيف ، فلم يفرض عليّ ذلك فرضاً ، بل كان يطلب مني ان اصحبه ويرفق طلبه عادة بجملته التقليدية : هذا اذا كان الخروج لا يضايقك .
وحاولت ان اتراجع ، وفي كل مرة افتح فمي لارفض ، كانت تسبقني عبارة موافقتي ... الى اين كنت اسير ؟ لم اعلم ، غير اني بقيت مرتاحة وذاهلة عن الوجود ..
وهذا المساء قال انه سيعود ، وامامي وقت قصير لافرغ من هذه الرسائل كلها ، وافرر اذا كان باستطاعتي مرافقته الى احد الاندية لقضاء سهرة الميلاد ... فانا امام امرين ، اما العودة الى غرفتي الموحشة ،
وصمتها الرهيب ، او الخروج معه . والاستسلام لما يخبئه الغد من مفاجئات .. وهو ، لم يقل انه لن يخرج بدوني ؟ .. لقد قالها بدون اكتراث : «ان لم تذهبي معي ، فانا عائد لقضاء ليلة العيد وحدي ..»
لقد اضعت الطريق مرة ، يوم لم يكن معي رفيق يمسك بيميني ؛ فبامكان الرسائل ان تنتظر حتى بعد غد ، ولن اعود الى الضلال من جديد ؛ لن احرم نفسين سعادة يستحقانها ، سعادة اللقاء .. لن اكون وحدي ، فلم اعد اطيق هذه الكلمة .. ان هدير سيارته يمسحها من اذني .. لقد عاد ، ومعه رجع الميلاد ...

بقلم املي نصر الله
كنت في عهد الطفولة ، وكان هو في العقد الثامن ، ومع ذلك كنا صديقين فهو كاهن القرية ، وانا جارة المعبد ، ولذا كان باب الكنيسة يفتح في وجهي كل صباح ومساء - فتنطلق طفولتي البريئة للتعبد والصلاة ..
تتوق نفسي الكبيرة اليوم الى تلك الاحاسيس التي كانت تختلج فيها طفلة ساجدة امام الهيكل ، او منتقلة بين الشموع ، تضيئها الواحدة تلو الاخرى وتملأ مجامر البخور ..
كلما قرع الجرس صباح عيد ، اعود بالذاكرة الى اعياد الطفولة ، وهي في القرية ثوب جديد ، وزيارة المعبد ، وخشوع وصلاة ؛ بينما نجدها في المدينة مهرجانات صاخبة ، ومعارض لأجود اصناف البضائع .
كان ميلاد القرية صباحاً ابيض ، تصدح فيه الترانيم البريئة ، وميلاد المدينة اليوم سهرات لا تنتهي قبل مطلع الفجر .
