او الاكل او اللعب ويعطي اوامره وتوجيهاته ... وفي عالمهم الصغير كان يسمح لهم بان ينادوه « بابا » بدل « صاحب الجلالة » . وهو الذي كان يمسح دموعهم ويقبل ركبهم عندما يتعثرون ويقعون اثناء لعبهم وركضهم ... وهكذا تعلم الامراء الصغار ان يحبوا اباهم ويحترموه في آن واحد .
وفي قصرهم الخاص اغرقهم بالهدايا والثياب الفاخرة . في الاعياد الوطنية كانوا يظهرون بالزي المراكشي المزوّق ، في حين عمرت خزائنهم باحدث الثياب الباريسية الانيقة ... لكل مناسبة ولكل موسم .
ومع الايام توسع عالمهم وفاضت منه الخيرات على شكل هدايا من كل لون ومشتهى . في اية مجبوحة وبذخ عاش الامراء الاربعة . ولكنهم ظلوا في جو القصور وقلما رافقوا والدهم الى الحفلات العامة ، عدا ايام الجمعة غداة رواحه الى الجامع لاداء الصلاة . كانت الصغيرة عائشة تلبس فستاناً قصيراً ابيض وقبعة شمس . وتصر مربيتها الفرنسية على لبسها القفازين ! ويلبس حسن جلابية طويلة بيضاء جرياً على الزي المحلي .
وفي مدرستهم الخاصة التي بنيت خصيصاً في جوار القصر تمتع الامراء الصغار بكل ما قد يخطر ببال المعلمين من اسباب حديثة للتعليم والترفيه معاً . كبركة السباحة وساحة التنس وملعب كامل التجهيزات الرياضية . وتعلم الصغار التزلج على الثلج وركوب الخيل والسباحة على ايدي امهر المدربين ...
« ما زلت احب السباحة وركوب الخيل والتنس والتزلج » تقول الاميرة
عائشة ، « رغم الصرامة التي فرضت علينا اثناء تعلمها ، من قبل المدرسين ومن قبل والدي ... لقد كان هو شديد الحرص على اتقاننا هذه الالعاب ، وكان على حق ... »
في هذا الجو الناعم السعيد نشأت عائشة ، ولما بلغت السادسة عشرة وكانت قد انتهت دروسها في مدرسة القصر استدعاها ابوها الملك وناولها ورقة وقال لها بلهجة جدية : « هذا خطاب موضوعه « يقظة المرأة » عليك ان تلقيه في حفل كبير من النساء ، وبدون حجاب ! » وهكذا حملت عائشة الخطاب وفعلت كما امرها والدها ، ولم تدر « البطلة » يومذاك ، كم كان تأثير خطابها كبيراً على بنات جنسها اللواتي اعتبرنها حاملة لواء المرأة نحو النهضة والتحرر .
وعادت الاميرة عائشة تكمل دراستها العالية في كلية فرنسية للبنات في الحي الاوربي من الرباط ، معظم رفيقاتها هناك كريمات رجال الجيش الفرنسي وكبار الموظفين الاداريين . في هذه الفترة كانت الاميرة حادة الذكاء ، مستقيمة صريحة وحيية ... هكذا وصفتها رفيقاتها ، وما تزال تتميز بهذه الصفات ذاتها . ولكن الاميرة ، بعد اربع سنين من الدراسة في المعهد الفرنسي ، وجدت نفسها كثيراً ما تصطدم مع رفيقاتها في الرأي والمعتقد .. حتى انهن كثيراً ما أسأن فهم الحرية التي تمتعت بها ، وانتقدن تصرفاتها وطريقة لبسها ...
« ولكن ، طمأنها والدها ، لا يخلص من ألسن النقد احد من الناس ، فكيف باميرة ؟ .. وانت على حق ما
دمت مؤمنة بان سلوكك صحيح ... انما يجدر بك الابتعاد عن اعين المصورين وانت بالمايو ... يكفي ان يعلم الناس انك تسبحين ! »
اما الحجاب ، الذي كانت الاميرة عائشة السباقة الى نزعه ، فقد نزعه بعدها فتيات مراكش ونساؤها الوفأ والوفأ .. ثمة مرة لبست الاميرة حجاباً ، على سبيل المزاح ، وخرجت في باقة من الصديقات يشاهدن موكب الملك والاحتفالات بعيد جلوسه على العرش . وتذكر ضاحكة كم تعثرت بعباتها ! ..
ومع الايام ازدادت شعبية الملك وقويت زعامته ، وخاف الفرنسيون على تفوقهم ، وبمكيدة مدبرة طوقوا القصر واقتادوه اسيراً الى جزيرة « كورسيكا » . كان ذلك صيف ١٩٥٣ وبعد ثلاثة ايام سمح لعائلته اللحاق به وحدث ذلك بسرعة فائقة وبدون استعداد ولما رجعوا الى قصرهم بعد سنتين وجدوه في حالة يرثى لها .
لن نطيل التحدث عن ايام الاسر لان حوادثها مؤلمة لكل فرد من العائلة المالكة وقد اكد احد اصدقائهم المقربين
— البقية على الصفحة ٤٠ —

