يكون مبعوث بريطانيا العسكري مع الحلفاء.. او الحاكم الاقليمي في «ويلز».. ومع ان العودة كانت في تلك الظروف العصيبة ، فان العائلة ابقت على هــذا الانشقاق ..
كان الجميع لطفاء .. ولكن من السهل ان اشتم وراء هــذا اللطف حب الاستطلاع ، والتساؤل الدائم : « هل يمكن ان تكون هذه السيدة سمبسون ، التي اخذت ملكنا ، وسببت كل هــذه الامور ؟..
وفضل دافيد البقاء في ويلز ، لأن الفنون الحربية تغيرت منذ ان كان يخدم اخيراً في الجيش ..
كنت في هذه الفترة ، شخصاً مجهولاً ، في كل مجلس ، وفي كل حديث ، وارتدى دافيد قناعاً كثيفاً ليخفي غضبه على ذلك ، ويتابع رسالته في خدمة بلاده ..
ولم تؤاته الظروف ، فلم يترك له الخيار في الوظيفة ، وصدر قرار ملكي بان يكون المبعوث العسكري البريطاني. ولم يعد يسمع من الملك سوى ذلك ..
ولم يعترض دافيد ، بل قبل المسؤولية برحابة صدر ، وبقينا في لندن مدة قصيرة ، ريثما يتسلم مهامه ؛ ولمــا عدنا قررنا ألا نبقى في المسكن الجديد ، بل سكنت في الفندق ، ولكن الحياة هنــا ايضاً مملة . وعدت الى منزلنا ، لأجده تغير كثيراً ؛ ولكن لم يكن عندي عمل يسليني ، فانضممت الى الصليب الاحمر ، ورحت اطوف بين المستشفيات ، وكانت تمضي اسابيع دون ان ارى دافيد ، لكني كنت اسمع صوته من حين لآخر .
مرّ الشتاء ، وكلانا يعمــل بحركة
مستمرة ؛ وكنا نحن الاثنين نواجه حربين : الحرب الكبرى ، والحرب الباردة بيننا وبين القصر الملكي .
كان نيسان من ابدع الاشهر وتلاه ايار ومعــه الزهور والشمس المنعشة ، ولكن هتلر لم يسمح لأحد ان يتمتع بحلاوة الربيع ، فقــد هاجم فرنسا ، بضراوة وقسوة .
وفي يوم ، دخــل دافيد مسرعاً ، وقال وهو يلهث : الالمان يتقدمون الى باريس وأمامك ساعتان للرحيل ..
وأجبته باني مرتبطة بالصليب الاحمر الفرنسي ، ولا يجوز ان اترك في وقت يحتاجون فيه الى كل مساعدة . ولكن لم يصغ ، وبقي يلح عليّ لامضي .
كانت الطرق . في ضواحي باريس محشودة بالعربات والسيارات ، ان اوروبا الغربية كلهــا راحلة .. وكان الفندق الصغير الذي قصدناه مزدحماً ، ولكن صاحبه عرفني للتوّ ، وهيأ لنــا غرفة ، صرفنا فيهــا ليلتنا وقررنا ان ننتقل في اليوم التـــالي الى مكان قرب الحدود الاسبانية .. وتركني دافيد وعاد الى باريس ، ولكنه لم يلبث ان استلم علماً بالانتقال الى الحدود الايطالية .
كنا في الايام التالية ، لا نفارق الراديو ، واخيراً جاءنا نبأ ان ايطاليا اعلنت الحرب ، ولم يعد هناك أمن ضمن الحدود الفرنسية ؛ وتحت الحاح الاصدقاء ، لم نجد بداً من تغيير مقرّنا . ورافقنا بعض الاصدقاء ، متجهين الى اسبانيا . كانت الطريق صعبة ، واضطرونا الى الوقوف اكثر من مرة ؛ وفي اليوم التالي وصلنا الى « بربينان » عبر جبال البيرينيه ...
وبقي الدخول ضن الحدود الاسبانية ؛ وقد لاقينا في ذلك صعوبة لا تقدّر ، لان الحكومة كانت تخشى ان يزداد عدد اللاجئين فيصبحون عالة على البلاد ...
لكن دافيد لم يتوقف عن السعي لحظة ، وتمكننا اخيراً من الدخول .
صرفنــا في برشلونة يومين في هدوء تام ، قبل ان نتابع سفرنا الى مدريد ...
كنا في الواقع مشردين ، امتعتنــا موزعة في كل صوب ، وحياتنا في التنقل ، وعدم الاستقرار . وان لم يصعب هذا كثيراً عليّ ، فلم يكن سهلاً على دافيد مطلقـــاً . لقد خسر كل شيء ، حتى المنصب ؛ ولكن استلام ونستون تشرشل ، لرئاسة الوزارة القى شعاعاً من الامل على حياتنا .. انه صديق دافيد ، وربما سعى في تأمين مركز مرموق ، يشغل اوقات فراغه .. ويرفع معنوياته ..
وصدق حدسنــا في الواقع ، فلدى وصولنا الى مدريد ، قابلنـــا السفير البريطاني فيها ليخبرنا ان السيد تشرشل ارسل يطلب من دافيــد ان يعود الى بريطانيا عن طريق البرتغال ...
انتقلنا الى « ليشبونة » بانتظـــار

