تلفت نديم حوله في قلق ، حينما دخل عليهم قريبهم مع عائلته ، وهم جالسون الى المائدة لتناول طعام العشاء ، وليس عليها سوى بضع حبات صغيرة من البطاطا المسلوقة وقطع من الخبز الاسود . ورآهم ينظرون بجوانب اعينهم الى تلك المائدة الحاوية . وقد لاح على وجوههم شيء فيه من الاستغراب ، والسخرية ، والعطف . فزاد هذا في ارتياكه . ونهض قبل ان يطعم طعامه . فهو لم يعد له رغبة في طعام بل شعر بالامتلاء ... والشبع . ونهضت والدته ايضاً . ولعلها لحظت ما لحظه ابنها الصغير . وشعرت شعوره . فدعت الزائر واسرته الى غرفة الاستقبال . وجلس نديم خجلاً قرب ابنة قريبهم الصغيرة ذات الشعر الحريري المتواج بوهج السنابل الصفراء ، تتموّج خصلاته الطويلة على ظهرها وكتفيها . ووجد انه ليس باستطاعته اليوم التحدث اليها كالعادة .
يا الله ... ما احلى اياماً مضت منذ زمان ... حينما كانوا لا يزالون في بيتهم الجميل في فلسطين ... كانت قريبته تتبعه ليظهرها على العابه الجديدة ، وليطعمها ما يوجد في الخزانة الكبيرة السوداء من انواع الحلوى الشهية . اما الآن ... فلا شيء . وما باله؟.. حتى الكلام يتفلت منه ، ويغور في فراغ نفسه ... فلا يتمكن من القبض على زمامه ...
ولم يطل مكوث القريب عندهم . بل استمر زهاء ساعة ، نهض بعدها مع اسرته وودع وانصرف . ولكن ما بال القريبة الصغيرة ، ذات الثوب الارجواني تحملق في وجه نديم وفي عينيها خيالات عتاب ؟ انه لم يخبرها بعد عن رفاقه الكبار في الجامعة ، وعن اساتذته . وكتبه وألعابه . ولشد ما كانت شيقة لهذا الحديث .
ولكنها بسرعة البرق الخاطف ، استجابت لما يتجاوب في نفس قريبها الصغير من مضض . فتلاشى خيال العتب . وبدا على الوجه الحلو ظلال من شجو برى . ثم تبعت والديها متلفتة حنونا .
لم يرجع نديم الى المائدة ، كما لم ترجع والدته ، وكان اخوته الستة قد أكل كل منهم حبته من البطاطا ، ونهضوا يمارسون دروسهم او العابهم . واذ بالام تعلن لهم رغبتها بالسهرة عند الجارة «الست بهية» . وكان الاولاد يتناوبون الذهاب معها لمثل هذه السهرات . وكان في هذه الليلة نوبة نديم ، ثالث اخوته ، في مرافقتها .
فرح نديم بالذهاب مع والدته لعند «الست بهية» فهي مراح ضحوك ، كثيراً

