هؤلاء الصيادين . حينما كانوا يسحبون الشبكة مثقلة بالاسماك التي تنتفض وتفرغ ثم يدلقون ما فيها على الرمال . فتلمع بالوانها في وهج الشمس . كم مشى على هذه الرمال ولعب مع اخوته ورفاقه .. وكان حينما يرجع الى البيت يجد ان والدته قد اشترت من هذه السموك انواعاً لذيذة لا ينسى طعمها .
ولكن هذه الرائحة الآن تزعجه اشد الانزعاج ، فهي تشعره بجوعه . انه لم يأكل منذ الصباح سوى قطع من الخبز الاسمر . وقلق ، وخاف من ان تلحظ بهية ومن عندها ما يعتمل في ذاته ... لا ... انه لا يريد ان يأكل . انه شبعان ... ولكنه كان يسمع صوت ريقه وهو يبلعه ، فيضطرب ، ويخجل . ويشعر بحلقه وعنقه يتحركان بحركات ظاهرة . فيغضب ، ويغتاظ ... واحتار في امره . وتمنى لو انه لم يرافق امه . واستغرقت بهية بالأكل والحديث ، تتشدق بفم واسع وشفتين ممتلئتين . وطال عليه الوقت . واراد ان تنتهي هذه الزيارة . وان ينهض الى البيت . ولكن ... كيف ؟ وتألم من جوعه ومن شبعه وكبريائه . واخذ يدير وجهه كلما اراد ان يبلع . وفزع من ان تفضحه هذه الحركات . وتساءل : لعل الضحك الذي يتعالى من آن لآخر إنما هو لما يظهر عليه من دلائل الجوع . وكاد يصرخ ... واستمسك ، وجاهد مدة بعذاب دونه عذاب جهنم . حتى انتهت بهية . وهي في جلستها سمينة طروب . لا ينغلق لها فم ، ولا يرتاح لسان . فهي في اكل نهم ، او حديث ساخر . او ضحك مجلجل . لا تترك فرصة للسكوت او الهدوء .
ونهضت ام نديم وودعت قبل انتهاء السهرة بحجة اولادها ، وتبعها نديم ، وفي حلقه غصة ، من كثرة ما شرق ما فاض به فمه من اللعاب ، وفي قلبه غيظ واستنكار . وفي عينيه شرود . وذهب الى سريره ، وتقلب طويلاً على فراشه . وكان من آن لآخر يحرك يده فوق جبينه ، كأنه يطرد منه بعض الاخيلة والرؤى التي تزعجه . الى ان استطاع النوم اخيراً .
ونهض مع الفجر يتهيأ للذهاب الى المدرسة ، وهي بعيدة عن بيته . وعليه ان يذهب اليها مشياً ، منذ ان مات والده . واعطته والدته صرة صغيرة من الورق ، تضم رغيفاً مع قليل من التين المجفف . وكان هذا غداءه بل زاده نهاره كله . وتناول صرته ، وضعها مع الكتب داخل المحفظة . وسار قبل اشراق الشمس ووصل المدرسة ، ودخل الصف مع رفاقه وكان اصغرهم واذكاهم ، واعلامهم درجة . وحان وقت الفرصة ، فرصة الساعة العاشرة وتزاحم التلامذة بالخروج من غرف الصفوف . فاكتظت بهم ساحات اللعب ، وتسابق اكثرهم - ان لم يكن كلهم - الى البائع يشترون منه الكعك بالسمسم مع الصعتر . فهو يأتي الى المدرسة يومياً في مثل هذا الوقت ، ومعه الكعك على طبق متسع ، يضعه على محمل من خشب فما تمر هنيهة حتى يكون الطبق قد فرغ مما عليه . الا نديماً بقي واقفاً قرب جذع شجرة ينظر الى بعيد . ينتظر ان يفرغ رفقاؤه من اكلهم ليلعبوا او يتركوا جذلين ضاحكين . ولكن فترة اكلهم الكعك ، قد تطول الى آخر الفرصة .
وها هم قد اقترب بعضهم منه . انهم لا يرحمون ، هؤلاء التلامذة ... وعليه ان يتحمل الرائحة الشهية ، ويتحمل رؤيتهم وهم يمضغون . انه منذ توفي والده وهو يعاني هذه المشقة ... وهو جائع . ليته لم يمت ، هذا الوالد الرحيم ! لقد كان يعطيه كل يوم عشرة قروش فيشتري مثل رفاقه ، الكعك يوماً بعد يوم . وكان يعطيه احيانا اجرة الترام ليأتي به مرتاحاً الى مدرسته . ولكن حينما كانوا لا يزالون في بلدهم ، في فلسطين ، كان لهم سيارة خاصة توصله الى المدرسة . ما احلى بلدهم ذاك ! اما الآن ... فهو يتيم فقير ، وامه تجهد في توفير الاقساط
