ان الحرية التي تسعين وراءها انتن النساء انما هي وهم وخيال!
ألقى محدثي هذه الكلمات واستدار في مقعده بحركة عصبية. ثم أمرّ يده على شفته العليا كمن يحاول ان يفتل شارباً وهمياً لم تُبقِ منه موسى الحلاق شيئاً.
ولما لم يلق مني جواباً أردف قائلاً:
من تعوّد العبودية ظل عبداً ووجد في العبودية غبطة وان هو عاش في جوّ حر. كتلك السمكة التي منعها حاجز زجاجي من الوصول الى الشق الآخر من اناء الماء. فكانت كلما مرت بالحاجز ابتعدت عنه خوفاً من الاصطدام. وأخيراً رُفع الحاجز وظلت السمكة كلما مرت به تبتعد خوفاً ولا تحاول العبور.
وشعرتُ ان في وجه محدثي خبراً لا يستطيع السكوت عنه فهو في حاجة الى الافضاء. فسألته: وما الذي دفعك الى هذا التفلسف؟
فاعتدل في مقعده وقال:
لقد قضيت شطراً غير قليل من حياتي مدافعاً عن المرأة، منادياً بانصافها من الرجل، لا لأني اعتقد كبعض المتهوسين ان في المرأة قوى عظيمة كامنة، بل لأني اميل الى نصرة الحق على الظلم. ادافع عن المرأة حين يظلمها الرجل فيستثمرها او يستبد بها. وأدافع كذلك عن الرجل حين ترهقه المرأة بطالبيها وتعيش طفيلية عليه.
في جوارنا يسكن جميل عبدالله المعروف بفظاظة خُلقه وبشاعة وجهه... كأن الذين سموه جميلاً تعمدوا السخرية منه. لا يمر بنا يوم من غير ان نسمع صراخه وشتائمه. وقد عزا الناس شراسته الى مرض مزمن اصابه في معدته منذ كان شاباً. ومع انهم يمقتونه في سرهم لا يبخلون عليه بالمجاملة لانه غني. وغناه هذا هو الذي امكنه من الحصول على زوجة جميلة تصغره بنحو عشرين سنة... لقد احتملت منه هذه الزوجة ما يحتمله المحكوم بالاشغال الشاقة. فهو يغضب لأقل سبب واحيانا يغضب لغير سبب ويأخذ في الشتم والصياح. ولن احدثك عن بخله وقسوته فقد رأيت، ولا شك، نماذج من هذا
البخل الذي يشبه الجنون والذي يجعل صاحبه حريصاً على القرش الواحد كحرصه على حياته بل اشد.
كان لهذا الرجل بنت اسمها نهلة تشبه امها تماماً في الفتنة والجمال. لكنها منذ صغرها أميل الى الحرية وأقل وداعة من امها. وقد انفقت بضع سنوات من حداثتها عند خالة لها في بيروت فتفتحت عيناها على عالم غير عالم القرية وتلقت هناك شيئاً من العلم والافكار الحديثة. ومنذ عودتها الى البيت حام حولها الخطّاب وقد جذبهم بياض لونها وزرقة عينيها. وكان ابوها يطمع في تزويجها من اكثرهم مالاً و رغم غناه أبى انفاق قرش واحد على ما يسمونه دوطة او جهازاً. ويحرص على ان يخص اولاده الذكور بما له من مال وأرزاق.
وتقدم لخطبة الفتاة يوماً كهل ارمل كثير المال، يشبه اباها في كثير من الوجوه. فرأى فيه والدها الصهر المنشود. ورحت اتساءل: اترى الفتاة تذعن للأب ويعيد التاريخ نفسه؟
قاومت الفتاة ما استطاعت. وقام بينها وبين والدها عراك عنيف دام مدة من الزمن. والأم في خلال ذلك ساكتة لا تبدي رأيا ولا تجرؤ على التدخل. وفي احد الايام جاء مَن اقنع الفتاة بالقبول لانه «ما دام ابوها مصراً على عزمه لن يأتيها خطيب جديد. ولأن امين برهوم غني ستعيش عنده مثل ملكة. وقد اصبحت معيشتها في البيت صعبة مع غضب والدها وعناده. وقد حان لها ان تصبح ربة بيت يخف بها الخدم ويسهرون على راحتها وتلبس ما تشتهيه من ملابس وحلى».

