صرف الصباح في مركز الصليب الاحمر اقضي بعد الظهر في « الكانتين » . الذي رأسته ، وكنا فيه نعد الطعام ووسائل تسلية لقوات الطيران ؛ ولم يلبث دافيد ان فكر بانشاء عيادة خاصة بالامهات الحوامل والاطفال ؛ ويسرني ان ذكر ان العيادات التي اسسناها ما تزال ثمة حتى الساعة .
مع العام ١٩٤٤ ، تلاشت آخر انفاس الحرب ، واصبحت مهمة دافيد اخلية ، وقد تأكد له ، بهذا الوقت ، ان اسرته تفضل ان تبقيه بعيداً عنها ما دامت قادرة على ذلك .
وكنت اتوقع ذلك ، ولكني بدأت افكر بالاسى الذي يخالجه ، وشعور الحبة الذي ينتابه ؛ وفكرت بمحاولة اخيرة ، تقرب بينه وبين والدته على الاقل ؛ وجاءت المناسبة حين قرر رئيس اساقفة ناسو القس « جون دوغليش » ان يعود الى انكلترا : وكنت اعلم بعلاقته الوثيقة بوالد دافيد والعائلة ، وبما انه كان صديقاً مخلصاً لنا ايضا قررت ان ارسل معه رسالة يقدمها للملكة ماري متى زارها ... ولا ازال احتفظ بنسخة من تلك الرسالة التي جاء فيها :
سيدتي :
ارجو ان تغفري لي تطفلي على وقتك وجرأتي في التقدم من جلالتك ... والسبب بسيط جداً . فقد كان منبع الالم والاسف ، ان اكون الحاجز الذي يقف بين ام وابنها ، ولا يمكن ان اصدق انه لا تمر بك لحظات تذكرين دافيد فيها . فاذا كنت تودين ان تعلمي كيف احواله ، اسألي القس دوغليش عنه وعن حياتنا فوق هذه الجزيرة النائية
وكل ما قاسيناه من عذاب ، وحرمان .. منها الحرب ، والانفصال عن الاسرة والوطن ، الذي نرجو له كل ازدهار ، وتقدم .
وارجو ان ابقى خادمة جلالتك المطيعة .
واليس وندسور
وجاءتني رسالة من القس ينبئني فيها عن زيارته للملكة ، واسئلتها عن دافيد ولكنه لما اخبرها عن الاعمال التي كنت اقوم بها في الجزيرة بدت كأنها صخرة صماء ..
ودخل دافيد ذات يوم المنزل متهللاً ليقرأ لي رسالة من والدته ، تقول في ذيلها ، « لقد ارسلت رسالة لطيفة لزوجتك » وراح يتساءل في ذهول ماذا جرى لامه حتى غيرت افكارها ، وطبعاً لم اجبه ، ولم يعلم حتى قرأ هذا الفصل .
وفي عام ١٩٤٥ قرر دافيد ان يقدم استقالته ؛ وهكذا كان .
ولم نتمكن من العودة الى باريس حتى شهر ايلول من ذلك العام ، نظراً لصعوبة التنقلات ... وكان حظنا كبيراً ان وجدنا منزلنا كما تركناه ؛ فنقلنا اثاثنا وذهبنا الى « رتز » .. وكان جنوبي فرنسا ما يزال تحت حكم القوات الاميركية ، ولم نحصل على اجازة دخول الى « لاكرو » قبل شهر كانون الاول ... وكنت دائماً ابحث عن مسكن في ضواحي باريس ووجدنا اخيراً « طاحونة تويلوري » ويعود بناؤها الى القرن السابع عشر ، وكان يسكنها واحد من اصدقاءنا الفنانين « اتيان دريان » وقد توصلنا بعد جهد الى اقناعه
ببيع المكان ، والبساتين التي تحيط به ...
وحين اراقب دافيد من الشرفة وهو يروح ويجيء بين غرسات الورود اعرف كم كنا على صواب في اختيار ذلك المكان ؛ ولكن الشخص الذي نشأ على حب الخدمة ، ومساعدة الوطن ، كان من الصعب ان يقنع بهذه الحياة الفارغة ؛ وهكذا بقي دافيد ينتقل بين فرنسا وانكلترا ، ليذكر القصر بوجوده متى دعت الحاجة ؛ ولكن زياراته هذه لم تكن تلقى اي تشجيع .
وتابعنا حياتنا ضمن هذا الاطار الذي اضطرني الى تعلم مزايا جديدة ، والتخلي عن عادات قديمة .. ولا ازال اتعلق بقول اللورد بايرون : ان الحب جزء من حياة الرجل ، ولكنه كل وجود المرأة .. فاي امرأة احبت كما احببت ، وتعلق بها رجل كالذي احبني ، قد خبرت الحياة بكل ماضيها ... ولا انسى ان اذكر اني لم اكن اماً في يوم ، ولم اختبر شعور الخلق والابداع الذي تمر به الامهات ... ومع هذا فقد عشت اكثر من حياة ، وخبرت اعظم سعادة في الوجود ...
( انتهت )

