«كانت تلك اولى سني دراستي، وكنت شغوفة بالمدرسة الى حد بعيد، على الرغم مما كانت تحيطني به من غموض وضباب؛ يتجسم بعضها في الفاظ غريبة. كانت تتلفظ بها المعلمة امامنا، وتطلب ان نعيدها، او نظريات في القواعد الاملائية واللغوية، او اسماء مدن الصين واليابان.. ومن جملة الاسماء الغامضة كان اسم «المفتش» ... ولم اجرؤ مرة ان اسأل كيف يكون هذا المفتش، لكني رسمت له صورة في مخيلتي، من خلاصة اختباراتي المدرسية؛ فتصوّرته رجلاً ضخم البنية، يرتدي نظارتين تناسبان مقامه، وثوباً ابيض، يخلعه عنه بعد انتهاء دورة التفتيش؛ اي رسمت له صورة الطبيب الذي كان يرعبني بالابر المؤلمة اثناء مرضي بحمى التيفوئيد ... وهكذا، ما كدت اسمع ان حضرة المفتش قادم في ذلك الصباح الى المدرسة، حتى أطلقت ساقي للريح، ورحت اعدو صارخة مولولة. لاحتمي في حضن امي... وكانت معلمتي آنذاك، قد اعدت لنا هذا الجو من الرعب والجزع، اذ كانت تلاحقنا اثناء عملنا، بالتهديد الدائم، المشفوع باسم المفتش الكريم؛ ولا اخفي ان رعبنا كان جزءاً يسيراً من رعب المسكينة وخوفها على نفسها وعلى زعزعة كرسي الوظيفة.»
هذه الحادثة، روتها لي صديقة مثقفة، تذكرتها وانا اتصفح كتاباً حديثاً. وضعه بعض قادة التربية في العالم العربي اليوم، في احدى الحلقات الدراسية التي اعتادت ان تعقدها دائرة التربية في الجامعة الاميركية ببيروت، تحت عنوان «فلسفة تربوية متجددة، لعالم يتجدد»... وكنت اعلم ان هناك رجلاً وراء هذه الحركة المندفعة للتجديد، ولاعادة النظر في تربية اولادنا.. والرجل هو
الدكتور حبيب كوراني، رئيس دائرة التربية في الجامعة المذكورة
وفي جلسة هادئة، راح الدكتور كوراني، يتحدث عن التربية في مفهومها الحديث. وفي علاقتها بالمجتمع اللبناني خاصة، والعالم العربي بوجه عام فقال :
ان غاية الفلسفة التربوية الحديثة اعداد المواطن الصالح المنتج، الذي يعرف ان يعيش ويستقر في محيطه، ويكون له اثر فعال في تغيير وبناء هذا المحيط ... وفي لبنان، نحتاج الى اساس تربوي متين، هدفه تنمية الاخلاق القوية والتجدد الدائم، لمجاراة الركب السائر ابداً الى الامام، من جراء سهولة المواصلات، وتقريب المسافات.
ومن اهم واجبات المربين التوفيق بين تراثنا القديم، وبين مقتضيات العصر الحاضر؛ ومن هنا كانت رسالة لبنان، في ميدان التربية، هامة جداً، غايتها السلام، وتقريب الآراء المتضاربة.
والفلسفة التربوية الحديثة تهم بتكوين شخصية الولد، وليس العلم سوى وسيلة لبلوغ هذا الهدف، ولذا كنا بحاجة الى المعلم الصالح، الذي يكون هو نفسه صاحب شخصية قوية، وروح طيبة، واطلاع واسع في حقله، وفي نفسية الولد الذي بين يديه.
وشبابنا... اين يقف اليوم؟
ويرى الدكتور كوراني ان هذا الشباب مأخوذ بمظاهر المدنية الحديثة الخلابة، ينعم بنتيجة العلم دون ان يكون له يد في ايجاده؛ ومهم جداً اذن، ان يتفهم هذا الشباب الروح العلمية وراء هذه المظاهر، اي ان يتفهم الروح الامينة الصادقة التي تجابه الحقيقة ان كانت لها او عليها؛ ومقومات هذه الروح العمل، والانضباط، والدقة، وهذا لا يغني الشباب عن الروح الانسانية الموحدة، التي تقول ان الناس اخوة، والله للجميع... وهذه الاخيرة، هي ثمرة بلادنا، ورسل هذه البلاد، نحن اهديناها للعالم، واننا، في هذه الآونة الحاسمة بحاجة اليها، لتسير مع اختها الروح العلمية يداً بيد ...
ماذا في مدارس لبنان؟
وفي لبنان، عندنا نوعان من المدارس: الرسمية، والخاصة... ويعتقد الدكتور كوراني ان بلادنا بحاجة الى كلا النوعين،


