«تامار» رجل عجوز. له لحية بيضاء كبيرة، وظهر احدب؛ يلبس على رأسه قبعة حمراء، وصفراء وخضراء، ويحمل بيده عصا يتوكأ عليها اثناء السير... انه دائماً يمشي فلا يتعب، فهو يطوف كل البلاد ليزور اصدقاءه فيها، ولكنه لا يركب سيارة، او قطاراً او طائرة او سفينة، لانه يفضل ان يمشي على قدميه.
بالامس، مرّ «تامار» بجانب منزلي، وطرق الباب، ففتحت له وقد عرفته من لحيته وضحكته الدائمة، ولما دعوته للدخول، قال: كلا يا عزيزتي الصغيرة، افضل ان ابقى جالساً تحت ظل هذه السنديانة العتيقة واصغي الى زقزقة الطيور، وطنين النحلات المنتقلة من زهرة الى زهرة بين اشجار حديقتك!..
وفرحت كثيراً من حديث «تامار» وزيارته، وجلست بقربه، بعد ان طلبت اليه ان يحكي لي ما عنده من اخبار الاصدقاء في جميع الاقطار. فتنحنح، ثم وضع يده على قبضة عصاه، وراح يتكلم؛ قال:
صرفت الصيف الماضي في مصيف «روبا» في الجبال البعيدة، وكنت اعيش في فندق صغير نظيف، تحيط به اشجار الصنوبر، والحدائق الجميلة.. وفي ذات يوم، كنت اتمشى على شرفة الفندق، حين لمحت ولداً صغيراً يمسح الاحذية عند المدخل، وانا احب الصغار، خاصة اذا رأيتهم يعملون الاعمال الكبيرة؛ فتركت الشرفة ونزلت لاتعرّف الى صديق جديد... فنظر الي وقال بمرح: تفضل، اجلس على هذه الكرسي يا جداه، الا تريد ان نمسح حذاءك؟... وسألته عن اسمه فقال: اسمي «رن» وانا اعمل
دائماً هنا. فاذا كنت بحاجة الى شيء، انا دائماً مستعد لأبي طلبك.
قال هذا وراح يعمل برشاقة في تلميع حذائي، وهو يغني بصوت منخفض.
خرجت من الفندق لشراء بعض الحاجات، ولما رجعت عند الظهر، كان صديقي «رن» يقف في المكان نفسه، ومعه حزمة جرائد كان يعرضها على الزبائن بهدوء ولطف، وفي المساء احضر معه باقات من الزهر، وسلة فاكهة يبيعها للزبائن؛ وكان الجميع يحبونه، ويشترون منه كل البضاعة التي يقدمها...
ولم يكن «رن» يرتاح في الليل، بل كان ينتقل بسرعة بين الفندق والسوق، يشتري حاجات النزلاء: ومع انه كان نظيفاً، فان ثيابه دائماً قديمة، وحذاءه مفتق؛ وحرت في امره، اين يصرف نقوده اذن؟.. وسألته عن والديه، فقال انه فقدهما في حادث اصطدام، وسكت.
اصبحنا صديقين وفيين، وجاء «رن» في صباح يوم وقال: هل تحب ان تذهب الى نزهة؟
- الى اين؟.
- الى الغاب القريب
وبعد دقائق كنا نسير، نحن الاثنين، وكان وجه «رن» يزداد حمرة واشراقاً؛ وفي وسط الغابة ابصرنا بناء ابيض اللون، كبيراً، فالتفت اليّ «رن» وقال:
وصلنا.
- الى اين وصلنا يا صديقي.
- الى المستشفى.
قال هذا، وركض، وبقيت انا انظر اليه بدهشة.
ناديته، فلم يرد عليّ، فحملت عكازي، وسرت خلفه وعند الباب، استقبلتني فتاة ترتدي مريولاً ابيض، وقبعة بيضاء،
سألتها عن «رن» فقالت: - لقد دخل ليزور اخته.
- وماذا تفعل اخته هنا؟
- انها مريضة منذ سنة؛ وهو الشخص الوحيد الذي يزورها، ويحمل لها الهدايا، ويدفع عنها أجر الطبيب، وثمن الدواء..
وقالت الممرضة ان «لما» وهذا اسم اخته، فتاة شقراء، في العشرين من عمرها، كانت تعمل في خياطة الثياب لتساعد «رن» بعد موت والديها، ولكنها مرضت قبل عام، وكادت تموت لولا هذا الصبي الصغير.. فقد جاء الى الطبيب بجرأة وقال له:
«انقذ اختي من الموت ايها الطبيب، ساعدها لتعيش، وانا سأعمل لادفع لك كل نفقاتها... واعجب به الطبيب، فارسل سيارته الخاصة، وجاء بالفتاة الى المستشفى، وقد شفيت الآن، وسوف تخرج الى عملها بعد ايام قليلة.
قالت الممرضة هذا، وقادتني الى باب صغير، ثم تركتني هناك ورجعت الى مقرها!..
نظرت الى الداخل، فابصرت صديقي «رن» يجلس بجانب سرير ابيض، نظيف، تنام فيه فتاة كالملاك الجميل، وكان الاثنان يتحدثان ويضحكان، ثم نهض «رن» وهو يقول: نسيت صديقي «تامار» في الخارج، انا ذاهب لاحضره اليك... ولم ينه صديقي كلامه، حتى كنت وسط الغرفة، اشار كه و«لما» مرحها وسعادتها.
انتهى «تامار» من حديثه، فمسح لحيته البيضاء، ونهض ليتابع رحلته وهو يقول: قريباً اعود ومعي حكاية جديدة..
