هي الاخبار التي وصلتنا عن مريانا مراش (*) رغم انها كانت اديبة قليلة عصرها. ذلك ان الحركة الفكرية والأدبية في حلب كانت ابان العصر الحميدي مخنوقة لم يتسنَّ لها الانطلاق والتعبير الحر، لذا ظل صيت الاعلام الذين لمعوا في تلك الحقبة ـ اعني النصف الثاني من القرن التاسع عشر ـ ضمن حلقات أدبية ضيقة يلتقي ابطالها في صالون احدهم يتناشدون الشعر ويتجاذبون الأحاديث والطرف، حتى اذا تجاوزت احاديثهم انباء السياسة تحوّلت همساً مغلفاً بالتحفظ والذعر.
في هذا الجو المكبوت نشأت مريانا مراش، وفي بيتها العريق توفر لها الدرس والاطلاع، بين اب وأخوين من لغويي وشعراء حلب البارزين، ولمّا لمسوا فيها ذلك الذكاء الفطري المتقد، بعثوا بها الى بيروت لاستكمال دراستها.
أكبّت على كتب الفكر والأدب تغترف منها بنهَم الجائع الذي لا يعرف الشبع، ثم تحوّلت الى ائمة الشعر العربي، تحفظ جيد نتاجهم، لا سيما عمر بن الفارض وعمر بن ابي ربيعة، فكانت لهذين الشاعرين الغزليين الكبيرين اثرهما في نفسها الشاعرة الحاسة. ولم تكتف من مطالعة الشعر الوجداني بهذا القدر، بل اتجهت الى شعراء الفرنسية وقد اتقنت لغتهم واولعت منهم بشعر لامارتين ودي موسيه، لأنها كانت تجد في نفسها تجاوباً حاراً لاحاسيسها الرقيقة المرهفة.
* * *
وعادت مريانا الى حلب وقد تفتح صباها عن شباب نضر مشرق المحيا، وعن شخصية جذابة يزينها ظرف وصقل وثقافة مع ميل الى الموسيقى تجلّى في عزفها المتقن على القانون، ولم
تلبث الصفوة من أهل الأدب والفكر في حلب ان تنبهت الى هذه الخصائص النادرة تتجمّع كلها في فتاة مهذبة حسناء، عزّ على الرجال تلقي العلم، وتحدي التقاليد وكان من الطبيعي ان ينجذب الادباء اليها ويلتفوا حولها في صالونها، وفي بيت ابيها، وهكذا امست مريانا محطّ الانظار يتهافت على مجلسها اعلام العصر امثال رزق الله حسون، عبد الرحمن الكواكبي وجبرائيل الدلال والشيخ كامل الغزي وقسطاكي الحمصي وسواهم... وهكذا اصبح صالونها مجتمع أهل الأدب، وربما كان أول صالون أدبي عرف الشرق العربي، فكانت تعقد الجلسات الممتعة، وتطول السهرات ويحلو ويلذ السمر، في جوانيس من الشعر والموسيقى.
عرفنا في تاريخنا الحديث نماذج من صالونات