

ان الربيع الجميل ، بفورانه ونشاطه ، وعبيره وزهوره ليس وقفاً على الطبيعة ، تنسل من حسنه وعطره خيوطاً من سحر وسناء يد الخالق العظيم بساطاً من خير وجمال ، يفرش الدروب كل الدروب ، برياض الأمل ، ويفسح أمام الناس طرق الجد والعمل .
وإذا كانت الطبيعة بجمادها وبنائها وأحيائها تضم من الربيع ، فرصة لإخراج ما حرصت عليه في أعماقها ، من زهر وزهور ، وما أدخرته في حشاها من عزيمة ومضاء ، فأحرى بعالم الإنسان أن يتخذ من انتفاضة أمه الأرض ، مثلاً لانتفاضة أوسع مدى ، وأبعد مرمى ، وأبلغ أثراً في الصعيد الإنساني .
وهكذا هبط الربيع بلدان الشرق والغرب وفي صدره مفاجآت وأحداث ومضاعفات ، ما كانت إلا لتعمل عملها وتترك آثارها . فقد أعلنت ولادة الجمهورية العربية المتحدة من مصر وسوريا ، والاتحاد العربي من العراق والأردن ، ونشبت الأزمات في العلاقات بين طرف من بلاد العرب وطرف آخر ، وتأزمت العلاقات بين فرنسا وتونس ، وبين مراكش وإسبانيا ، وقامت الثورة في أندونيسيا ، ثم دارت هذه الأحداث في حلقتها المفرغة لتمر من جديد بنقطة انطلاقها ، وتفرق العالم بسيل عرم من المذكرات والردود تتبادلها واشنطن ولندن وباريس من جهة وموسكو من جهة أخرى . وكلها تتناول عقد مؤتمر الذروة بين الشرق والغرب ، ووقف التجارب النووية ، وما إلى ذلك من مشاريع يتنافس أصحابها على أنها الفضلى لتوطيد السلام والاستقرار في العالم .
وعلى ذلك يمكن إيجاز الأحداث التي طرأت ، أو ما زالت تجابه العالم كما يلي .
أولاً ــ إعلان الجمهورية العربية المتحدة من سوريا ومصر .
ثانياً ــ إعلان الاتحاد العربي من العراق والأردن .
وقد أدى التنافس بين الاتحادين وموقف السعودية العربية منها موقف الحياد وعدم الإنحياز ، إلى اتهام الرئيس جمال عبد الناصر ، في خطاب له في دمشق ، بتدبير مؤامرة تهدف إلى القضاء ، على الجمهورية المتحدة الجديدة . والتي كان من نتيجتها نشوب أزمة في
العلاقات العربية بوجه عام ، يؤمل أن تنقشع غيومها فيعود الصفاء إلى المحيط العربي وتسوده الألفة والتضامن لما فيه خير الشرق .
ثالثاً ــ الأزمة الفرنسية التونسية ، والمساعي الحميدة التي بذلتها كل من بريطانيا وأميركا لحلها ، وقد توقفت هذه المساعي ، إن لم تكن قد قضي عليها ، بعد سقوط حكومة المسيو غايار .
رابعاً ــ قبول الدول الغربية الثلاث ، الكبرى ، بعقد مؤتمر للسفراء بموسكو ، في ١٧ نيسان للتمهيد لعقد مؤتمر الذروة بين الشرق والغرب . وقد بدأت بالفعل محادثات السفراء .
خامساً ــ زيادة قوات الأطلسي الشمالي عشر فرق جديدة ، لتصبح ثلاثين فرقة تزود جميعها بالأسلحة النووية . من هذا كله يتضح ان الغرب ، غير واثق بنوايا الروس ، وتصريحاتهم ، ويفضل المفاوضة وهو قوي السلاح ، حاضر العدة ، على التفاوض أعزل ضعيفاً .
سادساً ــ مؤتمر اكرا الأفريقي ، الذي يجدر ان نلقي عليه نظرة جد واهتمام ، بالنظر إلى الدول المشتركة فيه ، والقضايا الآسيوية والأفريقية والعربية التي طرحت على بساط البحث ، بعد ان حركتها خطبة الافتتاح التي القاها الرئيس نكروما ؛ وخطاب الدكتور محمد فوزي وزير الخارجية المصرية ، وكلاهما ، حذرا من الضغط على الدول الآسيوية للإنحياز . إلى أحد المعسكرين الدوليين ، وطالبا بحل القضايا الدولية المعلقة ومنها قضية فلسطين .
سابعاً ــ الثورة الأندونيسية : وقد بلغت الآن مرحلة حاسمة ، بعد ان غزت قوات الحكومة المركزية معاقل الثوار بحراً وبراً وجواً .
ثامناً ــ قام المستشار أديناور بزيارة رسمية للندن ، تباحث خلالها مع المسؤولين البريطانيين في إمكان إعادة توحيد ألمانيا وتزويدها بالأسلحة النووية .
وإلى ان تنجلي حقيقة هذه الأحداث القائمة ، والقضايا المعقدة ، يأمل المراقبون الدبلوماسيون ، ولو بشيء من التشاؤم ، أن تتجه الأفكار إلى الأخذ بمبدأ المصالح الإنسانية ، فيعمل أقطاب الشرق والغرب ، على إحلال السلام والوئام محل التنافر والخصام .

