بدء المعركة والكفاح :
في مرسيليا وجدت سنية نفسها مضطرة الى رفع حجابها ، شعرت بالخوف لاول مرة واضعف الخوف عزمها وتراءى لها لحظة انها ارتكبت خطأً فادحاً ، فاستسلمت للبكاء والدموع ثلاثة ايام متتالية ، خرجت منها اوضح ذهنية ، وعاد اليها ايمانها وشددت عزيمتها من جديد لمجابهة المصير الذي خطته هي بنفسها واختارته بملء ارادتها ...
وبدأت العقبات تنهار من امامها اذ وجدت نفسها في اميركا محط اهتمام الجميع ورعايتهم . وتقاطرت عليها وهي في كلية ولسون المساعدات والمنح المجانية ، فكانت تدفع اقساطها من الاجور التي كانت تتقاضاها لقاء اشغال اضافية واحاديث وما شاكل ذلك .
تأسيس عيادتها في بيروت :
وبعد جهاد دام سبع سنوات متتالية ، لم تعرف خلالها راحة ولا هدنة ، عادت الى بيروت مكللة بالظفر ، وبدأت السعي بجد ، في منطقة باب ادريس لتفتح عيادة . وكان عليها ان تواجه من جديد تزمت الرأي العام ، الذي لم يكن قد تعود الاعتراف للمرأة ، ولا سيما المسلمة ، بحق ممارسة مهنة الطب ! وكانت ثقة المواطنين بها ، ولا سيما الرجال ، ضعيفة . وصاروا يشيعون عنها انها « ولاّدة » لا طبيبة . وكان عليها ان تكسب هذه الثقة بالبراهين وبالعمل ... ولم تلبث ايضاً ان نجحت .
« منحة الدكتورة سنية حبوب »
وتدفق المرضى على عيادتها . وفي
نشوة الظفر لم تنس فضل مدرستها عليها ، بل خصصت اول قبضة من المال تقاضتها اجراً حلالاً ، لتمنح لفتاة مسلمة تدرس الطب في كلية ولسون . واذا لم تتيسر المسلمة تحوّل المنحة الى فتاة لبنانية ... وما تزال هذه الهبة السخية سارية المفعول بانتظام حتى يومنا هذا .
بعد ربع قرن :
مرّ تاريخ على هذه الحوادث - ربع قرن ونيف ! احرزت الدكتورة سنية خلالها مجداً معنوياً ومادياً . لم تتوان يوماً عن اداء رسالتها نحو بنات جنسها . انها كتلة دينميكية من الحيوية والنشاط ، بعيدة الايمان بمواهب المرأة وبامكانها التوفيق بين واجباتها المنزلية ومهنة حرة تؤمن لها استقلالها المادي ، وبالتالي كرامتها .
وفي مقابلة لها ١٩٣٧ مع الشاب محمد
النقاش ، الصحفي يومذاك ، تفاهما على المرافقة في الحياة . اكمل هو طريقه الادبية والصحفية ، واكملت هي طريقها الطبية . لهما من ثمار زواجهما السعيد ، سنية المرشحة قريباً لشهادة استاذة في علم النفس من الجامعة الأميركية ، وعفت المنتهية هذا العام من الكلية الاهلية للبنات . وليس لاحداهما ميول امها للطب ، مع ان للصغرى اندفاعها وزخم حماستها .
وتؤمن الدكتورة سنية حبوب بالاعمال ، لا الاقوال . وهي ربة بيت « والام » قبل « الطبيبة » ، وتفاخر بأنها سيدة مطبخها المطلقة ... ومهما تقدمت بها السن فتظل لبنات جنسها مثالاً يحتذى ، ومن اولى الرائدات نحو تحرر المرأة واستقلالها المادي .


