وأعد كل شيء ، استقال من وظيفته ، صفى اعماله ، ودع أهله وخلانه ، وحزم حقائبه وشد بحرص على جواز سفره .
وقبل ان يسافر بأيام اتيح له ان يلتقي بالصدفة بأحد العائدين من هناك ، رجل على ابواب الشيخوخة جاء يجدد معرفته بهذه الدنيا وأهلها .
كان غنياً دفع حياته ثمناً لعمل النسيج الذي يملكه في البرازيل ، وعاد الى وطنه يحمل حرمان أربعين من السنين قضاها كادحا هناك .
وكان أول شيء فعله حين حطت به الطائرة هو انه قبل حفنة من تراب بلده ، وود لو يلثم كل وجه في مطارها .
ودار يبحث عن ماضيه فاختلطت عليه معالمه .
وجد ان امه قد ماتت وهي تنتظر واخوته تزوجوا فبدا بينهم كالغريب .
بيته القديم قد تهدم وبرزت مكانه بناية استنكر منها ان تمسح ذكريات طفولته .
لقد خسر كل رصيده من العاطفات الانسانية ، ولم يبق له

شيء الا معمل في البرازيل .
عاش هناك لا يعرف الا الكدح والشقاء ، ولم يفتح له المجتمع صدره ، اذ كان نعجة غريبة بين القطيع ...
وظل يعيش على أمل العودة - على حلم جلسة بين الخلان تلونها رعشات عود حساس فاذا خيبة الظن هي كل حصيلته .
وجلس يحكي للشاب وهو دامع العينين .
يحكي له عن جفاف الليالي الطويلة التي لا يؤنس وحشتها لسان عربي .
حكى له عن الاحساس بالضياع ، الذي يلف المهاجر مهما ارتفع رصيده في البنك .
حكى له عن العيون الدامعة ازاء اسطوانة عربية ، لم يبق فيها من صوت المغني الا الخشخشة .
ومسح الشيخ دمعة وقال : يا بني اني أبيع ثرائي في سبيل ان أعيش الحياة من جديد ، في بلادي .
واستمع الشاب واجماً ، وما يزال حتى الساعة حائراً بين نصائح الشيخ وحقائبه التي تنتظر .
صحائف مطوية يحس من حقه كخطيب ان يفضها .
وظلت على صمتها وظل على الحاحه .
ولما تعبت من اصراره حدثته ، وفي عيونها ألم ، عن تجربة حب أولى .
وانساقت وراء الذكريات الدافئة ونسي لسانها ان يتحفظ .

وأخرجت قصة الحب باطار شاعري ينبض بالحياة .
ولما انتهت كانت في عينيها دمعتان ..
لقد تركها غاضباً وقد صفق الباب وراءه ...
مسكينة لقد نسيت انها مست انانية شرقي في الصميم ، اذ كانت صادقة ؟
اكبر من القدر
منظر هزني قبل ايام ووضعني أمام موقفين للمأساة الواحدة .
موقف ايجابي يتغلب بعناد من يحب الحياة ، على كل ما ينال من جمال هذه الحياة .
وآخر يعكس ضعف التخاذل والاستسلام للواقع بسلبية من لا يجرؤ على مقاومة اليد الأقوى .
وشدني المنظر الى مكاني ، احدق اليه دون ان يحس بي طرفاه . لقد رأيت اعمى يسير متأبطاً آلة موسيقية في يد وعصا في الاخرى ، يمر بأعمى يستجدي ، فيخرج قطعة نقد يلقيها في

يده بعطف ، ثم يسير بكبرياء ، ووقع عصاه على الأرض يحكي حكاية بطولة صغيرة ، ولكنها اكبر من القدر .
حائر
كان واحداً ممن يشطحون بآمالهم الى ابعد من رقعة هذا البلد فقد حبته الاساطير بأرض ذراتها من ذهب وماس على ذمة افلام السينما ، فنشأ وعيناه مشدودتان الى مهجر من المهاجر .
