في حديقة واسعة الأرجاء منذ سنة ١٨٨٠ وضع تمثال حورية جميلة ... فبقيت في مكانها منذ ذلك الحين ليس لأنها أحبت الحدائق ، فلو خيّروها لفضلت مركزاً أهم ، ساحة ما أو شارعاً كبيراً حيث كان بمقدورها أن تشاهد واجهات المخازن والسيارات والناس في ذهابهم وإيابهم ..
قليلون الذين جاؤوا ناحيتها في الحديقة ، وحتى هؤلاء لم يلاحظوا أبداً وجودها .. فلم تكن بطلاً مشهوراً في التاريخ ولا تحفة فنية قيمة ، ولهذا لم تعر انتباه أحد . الجنيناتيون كانوا يشغل عنها في تنظيف ممرات الحديقة ، والحراس كانت لديهم أفكارهم وخواطرهم ، والعشاق كان يستهويهم الاسترخاء على الحشيش أو كتابة أسمائهم على جذوع الأشجار .
كانت العصافير تأتي لتستريح على كتفيها العاريين ... والنمل يختبئ ويسرح بين طيات ثوبها الحجري .. ولكن لسنوات خلت لم يقف إنسان أمامها وقفة المعجب أو الهازئ ... مره قيل عنها أنها جسورة حتى وقليلة الحياء
ولربما كان هذا هو السبب في إبعادها إلى تلك الناحية الهادئة المنزوية في الحديقة .
لقد تعبت من مرأى الحشيش والأشجار أمامها وتمنت لو ترى ما خلف ذلك ولو كان مزيداً من الحشيش والأشجار لقد تعبت من وقوفها الطويل وودت لو يتاح لها الجلوس من حين لآخر .. لو كان بمقدورها أن تأخذ وضعاً دراماتيكياً كالالهة « ديان » .
إنها سئمت طيور الغاب وسئمت رتابة همسها وفضلت عليها أية ضجة أخرى ... وضاقت بأيامها الكثيفة الباردة ولياليها الطويلة المظلمة وخيّل إليها أن ضيقها سيلازمها إلى الأبد ..
ثم جاء الربيع وجاء معه ذلك الشاب .
كان فقيراً يلبس معطفاً بالياً رقع بقطع من الجلد عند كوعيه ... وجهه شاحب كالمرمر ، وظلال عميقة تركت آثارها تحت حاجبيه وعلى عظام خديه . كان حزيناً ووحيداً ومن النوع المنطوي على نفسه .. هكذا فكرت الفتاة « التمثال » وحزنت لأجله .. ولا بد أنه كان يملك كمية قليلة جداً من المال ومن الأصدقاء حتى يفكر بصرف أمسياته في الحديقة ..
كان يقف ويداه في جيبتي سترته ويحملق في الأشجار أو فيها هي ولو أنها لا تجزم أن كان حقاً يراها أم لا .. أحياناً كان يحملق بصمت وأحياناً أخرى كان يترنم بالشعر !
كانت أشعاره حديثة الصياغة ،
حسب رأي « التمثال » التي ولدت في أيام الشاعر « تنيسون » ولكن الشاب كان مأخوذاً بها ويترنمها بحرارة مؤثرة .. في بعض الأحيان كان يخاطب التمثال أو يخاطب نفسه عن مواضيع مختلفة .. عن الفن مثلاً أو عن تكاليف المعيشة أو عن الطقس ..
استسلمت « التمثال » لهذه الوضعية الجديدة وكانت تترقب زياراته لها بشوق ولهفة .. كانت تتساءل من يكون وأين يعيش وماذا يأكل ؟ . كانت تهتم بكل ما يتعلق به .. فتلاحظ حذاءه بعد أن يصلحه ووجهه إذ يهمل حلاقته .. كانت تصغي إلى أحاديثه بجنان وتفهم دون أن يعلم هو شيئاً .. وكانت كلما تأملته وراقبته وأصغت إليه زاد حبها له .
كانت زيارة الشاب للحديقة لا تتعدى الساعة ومع هذا فترقب التمثال لها كان يملأ عليها يومها وكانت تعيد على نفسها أقوال الليلة السابقة وهكذا يوماً فيوماً سبب انتظارها له في نفسها قلقاً لم تكن لتشعر به من قبل .
يوماً ما إذ كانت طيارات الأطفال المصنوعة من الورق الملون تطير فوق الحديقة ... وأوراق الأشجار الخضراء المشربة قليلاً باللون الأصفر تخشخش باضطراب ... والشمس تظهر وتختفي وراء الغيوم .. كانت التمثال مضربة على قاعدتها الحجرية الرمادية .. وكانت تتوق أكثر من أي وقت مضى لو تتحرك لو تتكلم لو تستنشق نسيمات الربيع ... كذلك كان الشاب مضطرباً يمشي باستمرار أمامها ويداه متشابكتان خلف ظهره ... ويكلم نفسه بتأتأة كأن عقله مشحون بأفكار وليس عنده
