هنا .. في هذا الشارع الضيق المزدحم، تنتشر المخازن على الجانبين وتحتل علب وواجهات الباعة ثلثي الطريق بشكل مزعج. والمتبضعون يتزاحمون على المرور والوقوف اشبه بطابور النمل المنهمك بنقل الحبوب إلى اوكاره. وقفت استمع إلى قلة الذوق وانعدام الكياسة ... فهذا البائع يوجه كلامه لسيدة القت نظرة عابرة على واجهة محله: « امر مدام .. تفضلي .. اهلاً وسهلاً » وما ان تواصل السيدة سيرها غير آبهة ... حتى يرتفع صوت البائع « المهذب »: « شو هيدا .. ما تردي علينا لشو شايفي حالك صرنا شايفين متلك كثير .. ويقهقه ضاحكاً « بزهو حبشي » ...
... قليل من الحياء يا جماعة ... فالمتبضعون ينزلون السوق لشراء ما يختارونه بانفسهم ويناسب اذواقهم لا « اذواقكم » الناقصة ... وليس المفروض في كل سيدة ان ترد على مجاملاتكم وتأهلاتكم المبتذلة الثقيلة ...
سيدة ارستوقراطية تستأجر عتالاً صغيراً مع سله الكبير وتمر به على بعض محلات الخضار وتتسوق حاجاتها بقيمة عشرين ليرة تقريباً والعتال الصغير اللين العود ينتقل بسله معها من مكان إلى آخر .. وتقضي ربع ساعة واكثر ثم يستنجد العتال بزميل له لمساعدته على رفع السل فوق ظهره وتحزيمه حول رأسه. وما ان يسير بضع خطوات حتى تلتفت اليه السيدة الارستوقراطية وتقول له: « وقف .. خذ » وتناوله عشرة قروش .. نعم عشرة قروش.
وهنا يعترض العتال بتوسل .. وتغضب السيدة وهي تشير بيدها: ولو بدك أكثر من عشرة قروش ليش شو صار بالدني مشوارك قريب .. هون .. ويسير العتال وزفرات الألم تحت حمله الثقيل تتلاحق مع أنفاسه .. فيثير غضبي هذا التصرف الخالي من الإنسانية واتبع العتال إلى حيث أشارت السيدة فاذا بي أمام سيارة فخمة تدل على وجاهة وثراء السيدة « الإنسانية » ويستنجد العتال ببعض المارة لينزل الحمل عن ظهره ويبدأ بنقل « المساق » من سله إلى صندوق السيارة في حين وقفت السيدة تراقب هذه العملية وتصدر تعليماتها للعتال التعس: « اوعا حط البندورة فوق .. جلس كيس التفاح .. اوعى البيض يتكسر .. العمى بقلبك ما بتفهم .. على مهلك ..! كل هذا يجري والشوفير جالس وراء المقود لا يحرك ساكناً .. مضت السيارة في طريقها بعد أن تصدرت السيدة فيها. وعاد العتال مهرولاً ذليلاً نحو سوق الخضار يجر وراءه سله وحباله ..
يا سيدتي الفاضلة: لا توفري من اجرة العتال .. يكفي ان هذا الحدث المسكين رماه القدر ولم يقس عوده بعد، ليحمل فوق ظهره الاثقال ويكسب لقمة العيش .. فاذا يضيرك لو دفعت اجرته مضاعفة .. وفري يا سيدتي هذه القروش الحقيرة من تلك الحرائر الثمينة ... من حليك .. من ماسك وكمالياتك .. واسخي بالعطاء دون تذمر مثل هؤلاء العتالة والبويجية والكناسين وغيرهم. ان انت فعلت ذلك تنقذين هؤلاء من الشقاء وبالتالي يشعرون بقيمة الحياة فلا يبقى للمغررين والهدامين سبيل إلى استخدامهم وخداعهم!
دخلت مخزن احد الصاغة لابتياع هدية لمولود جديد وبينا انا جالس اتفحص واختار دخلت المحل سيدة وقورة وعرضت خاتماً ماسياً بسيطاً تريد بيعه إلى الصائغ. وبعد ان اجرى الصائغ الفحوص اللازمة على الخاتم عرض قيمة زهيدة ثمناً للخاتم مع الماسة فاعترضت السيدة وقالت: « كيف تريدني ان ابيع خاتمي بمبلغ ٥٠٠ ليرة وقد اشتراه لي المرحوم زوجي بالف وخمسمائة ليرة .. وهنا نهض الصائغ من مكانه واستدعى احد موظفيه وطلب اليه ان يذهب بالخاتم ويقدر ثمنه بعرضه على محلات الصاغة المجاورين .. وكانت حركات واشارات وهمسات بين الصائغ والمستخدم. وبعد قليل عاد المستخدم يقول: « واحد دفع ٥٠٠ والثاني ٤٠٠ والثالث ٤٥٠ .. وكل من رآه قال ان الخاتم لا يساوي أكثر من ٦٠٠ ليرة على ان تخصم اجرة صنعه فيكون المبلغ ٥٠٠ على الأكثر .. وهذا تقدير ثمن وليس عرض للشراء ».
وشعرت ان السيدة الوقورة ارملة مفجوعة حديثاً وعلى جانب من اليأس والحزن والفاقة وتخجل ان تحمل خاتماً وتدور على الصاغة من محل لآخر .. كما اني شعرت ان الصائغ القليل الانصاف نجح في مناوراته وخداعه هذه الارملة المسكينة .. فاقتنعت هي وقبلت الثمن المعروض. عاتبت الصائغ بشدة على هذا التصرف فاجابني .. هذه رزقة .. كل واحد يشوف رزقتو، في نسوان منبيعهم الطوباز بوزن الذهب، انت شو فيك ها اصنعه!


