دعا الملك فيصل الأول عام ١٩٢٤ وفداً من عضوات نادي النهضة النسوية لمقابلته في قصره بحضور قرينته الملكة حزيمة ، وتحدث إليهن حديثاً مستفيضاً جلا فيه إحاطة الإسلام بأحوال المرأة ، واعترافه بحقوقها ، وإقراره بمبادئ سمحة ضمنت لها مكانتها الاجتماعية ، واحترمت ملكاتها العقلية ، وذاتها الإنسانية . وأشار إلى التفسيرات والأحكام التي أقحمت خلال حقب طويلة فحرمت المرأة أبسط الحقوق وأغلقت عليها برتاج من الأحكام القاسية ، والاتهامات الباطلة .
وانتقل بعد ذلك انتقالاً سريعاً إلى بشائر الحركة النسوية في العراق واغتباط برسالة النادي ، في المضمارين الثقافي والاجتماعي ، واستثارها بقسط غير قليل من اهتمامه وتشجيعه ، وجاهرهن بعزمه على إهداء دار يستقر عليها نشاط النادي ، ومنه تنبثق دعوته إلى وجود المرأة الجديدة المقدرة لمسؤولياتها الوطنية والاجتماعية .
فيصل نصير المرأة
سقت هذه الحادثة لأقول إنها ببساطتها تنطوي على ملامح من تلك الصورة الرائعة التي حفظها تاريخ العراق الحديث لفيصل ، ملك الشط والفراتين . . والبطحاء ، صورة ترفع النقاب عن جانب أخاذ من حياة الملك المنشيء لم تدخله ، يا للأسف ، بعد أقلام الكتاب ، ولم تتعرض له تصانيف المؤرخين وكتبهم ، ذلك هو اهتمام فيصل بالمرأة ، وبالحركة التي ذرّ قرنها مع شفق الملك الجديد والصرح
العتيد . وتظهر للعيان بأن قراع السياسة ، وتجميع الجهود ، وحشد القوى في المعركة التي كان سينجلي عنها طلع النور في العراق ، لم تحول اهتمام الملك لحظة عن الطاقة الضخمة المجمدة ، المستخذية وراء البراقع والحجب . بل لقد قرر الملك فيصل نفسه في حديث صحفي أدلى به إلى الماجور ددلي هيثكوت قبل أكثر من ربع قرن « إن العبرة في رقي المرأة بالبيت ، وبالتربية والتعليم ... »
» . . . وإذا قست تقدم المرأة الشرقية بالنسبة لما أراه حولي من السير إلى تحرير أنفسنا على أسس سامية كان لي أن أقول إن هذه المبادئ سوف تنتصر وتفوز في المستقبل ، وستكون المرأة حينئذ عاملاً نشيطاً فعالاً في توجيه الشؤون . . وإذا رأينا نساءنا يتخطين العقبات ، ويشاركن الرجل في الجهاد للحياة الراقية ويعاونه على التقدم ، فيجب ألا ندهش ، لأن الحياة ، وبخاصة في زماننا ، تستدعي هذا التعاون ، وتتطلب من الرجل والمرأة أن يعملا جنباً إلى جنب لكل ما فيه سعادة الإنسان وخير المجتمع . »
كان الملك فيصل النصير الأول لكفاح المرأة العراقية ، ينظر بعين الغيب إلى ما يمكن أن يتمخض عنه إطلاق تلك الطاقة الحبيس ، لو أحسن تصريفها ، ومهد السبيل لظهورها ، وتوجيهها الوجهة الصالحة .
ولم يكن الملك فيصل ليجهل العقبة الكأداء التي تقف في طريق مثل تلك المحاولات للانتقال بالمرأة وتحرير عقلها ، والأخذ بيدها ، ولكنه كذلك لم يترك لليأس سبيلاً على نفسه ، وكان يرى أن الزمن والعلم كفيلان بتذليل الصعاب