للزواج مشاكله عند الجنسين، ولكن بما أن المرأة لا تزال الجنس الأضعف، فالمشاكل الناشئة عن الزواج أشد تعقيداً عندها مما عند الرجل لا سيما في ظروف تطورها الحالي، والتقاليد تجعل دورها فيه سلبياً لا إيجابياً إذ تمنعها من أن تطلب يد من تريد بينما تسمح له بذلك. والظروف تجعل الزواج عندها أمراً مرغوباً فيه أكثر مما عنده وذلك لسرعة نضوجها الفيزيولوجي أو حاجتها إلى الحماية أو إلى من يعولها أو إلى زيادة التحرر الاجتماعي.
ونلاحظ أن الزواج في القرى الصغيرة والأوساط الفقيرة المتأخرة أمر هين لا يؤلف مشكلة وذلك لانخفاض مستوى العيش في هذه الأوساط ولحاجة الرجل إلى الزواج الباكر للحصول على زوجة وأولاد يقاسمونه أعمال البيت والحقل، ولانعدام الملاهي والمشاغل العقلية وغيرها التي تعطي شبان المدن منافذ مغربة لنشاطهم وتصرفهم عن الزواج ولو إلى حين. فالزواج أمر بسيط حيث الحياة بسيطة فطرية لكنه يتعقد ويؤلف مشكلة حيث الحياة معقدة لا سيما في أوساط المدن وفي الطبقات الوسطى والارستقراطية وذلك:
١ - لارتفاع مستوى المعيشة. ففتاة هذه الطبقة غالباً ما تكون مترفة تحتاج إلى الخدم ولا تستطيع القيام بعمل خارج المنزل إلا إذا كانت ذات مهنة. ولهذا يضع الشاب نصب عينيه صعوبة القيام بنفقات الزواج والأسرة ويرى في ذلك مغامرة خطرة.
٢ - وهذا يخلق مشكلة الدوطة. فالشاب الذي يأخذ على عاتقه القيام بجميع نفقات البيت يرفض الزواج بغير دوطة إلا إذا كان ذا ثروة واسعة. وقد يجر الطمع الغني إلى السعي وراء الدوطة عملاً بالمثل القائل: زيادة في الخير خير.
٣ - ضآلة فرص الاختلاط بين الجنسين. ونلاحظ أن الضغط على المرأة في الأوساط الفطرية أقل جداً مما في الأوساط المثقفة وذات التقاليد العريقة، حيث يتراوح الموقف منها بين إسراف في الضغط وإسراف في الحرية.
٤ - سيطرة الخوف الاقتصادي على نفس المستخدم حيث لا ضمانات اجتماعية تؤمّن مستقبله. فهو في خوف من العزل أو البطالة أو العجز والمرض. وهو دائم الخشية على مستقبله الخاص فكيف إذا
أصبح ذا أسرة؟ إنه يخاف تراكم المسؤوليات ويؤخر زواجه حتى يصبح ذا ثروة وحينئذ يتزوج بمن تصغره بعشر أو عشرين سنة ويترك أترابه وشأنهن.
٥ - سيطرة تقاليد الأسرة على الشاب. لأن فقدان الضمانات الاجتماعية يجعل الأهل العاجزين عالة على أبنائهم فهؤلاء مضطرون إلى تأخير زواجهم ريثما تتزوج الأخوات أو لاضطرارهم إلى إعاشة الوالدين.
٦ - تدخّل الأهل في شؤون الزواج وهذا قد يكون عاملاً في ترويجه إذ يأخذون على عواتقهم مسألة «تدبير مستقبل الأولاد» حين تمنعهم التقاليد من ذلك. ولكن كثيراً ما يقفون حائلاً دون الزواج حين يريدون فرض آرائهم على الشاب أو الفتاة ويمانعون في زواجه أو زواجها لأن الفريق الآخر ليس من طبقتهم أو من مذهبهم أو لأن أهله من أخصامهم أو لأنه فقير أو لأن هذا الزواج ليس في مصلحتهم.
٧ - سخافة تقاليد الأعراس التي تفرض على العروسين والأهل النفقات الباهظة من شراء مجوهرات وأجهزة وملابس وأثاث فاخر وإقامة الولائم والحفلات. والمؤسف أن الأكثرية بيننا لا تزال مستعبدة لهذه التقاليد حتى أن البعض لا يتورعون من استدانة المال لمشترى الجواهر وإقامة الحفلات لكي يظهروا للناس
بغير مظهرهم الحقيقي.
٨ - حواجز الطبقات الاجتماعية التي تمنع أهل الطبقة العاملة من التزاوج مع أهل الطبقة الارستقراطية والوسطى مع إحدى الطبقتين المشار إليها.
٩ - غطرسة الشاب وأنانيته كنتيجة لما يلاقيه من تفضيل ووجوه سيطرة في الأسرة والمجتمع. فيصبح معتداً بنفسه مترفعاً على من حوله من فتيات.
١٠ - تعنّت الفتاة التي نالت جانباً من الثقافة أو نصيباً من الاستقلال الاقتصادي أو المركز الاجتماعي. فكل فتاة تنتمي إلى أحد هذه الأنواع الثلاثة تجد صعوبة في إيجاد الزوج الموافق. لأن الأنفة الشخصية - فضلاً عن التقاليد الاجتماعية - لا تسمح لها بأن تقترن بمن هو دونها ثقافة أو مركزاً اجتماعياً. وإذا كان لها عمل أو مهنة تسمح لها بالاستقلال الاقتصادي فضّلت الحياة المنفردة على الهبوط من مستواها الاجتماعي أو الثقافي بمعايشة رجل لا تحترمه أو تقدره، والشيء الذي يسترعي الانتباه هنا أن الفتاة من هذا النوع أشد إحجاماً وتعنتاً من الفتى المثقف. أي أنه لا يتردد في الزواج ممن تنحط عنه ثقافة وقد يفضلها على غيرها. ولا أدري أن يكون هذا الفرق لأن التقاليد الاجتماعية تقيد الفتاة أكثر مما تقيد الفتى أم لأن الفتاة أكثر مثالية وأقل تمسكاً بالطرق العملية في الحياة.

