
قرب منزلنا شارع يكثر فيه المرور وبألفه الشحاذون لانهم اختبروا فائدة التمركز فيه . وبينهم امرأة قد اتخذته مقرها الدائم فهي تتربع على احد رصيفيه الضيقين وتعرض للمارة طفلين تفوح منها روائح القذارة والنتن وقد جعلت الاصغر في حضنها واضجعت الاخر امامها على الرصيف وبهذا سدت طريقه على المارة واضطرتهم الى الانحراف عنه كلما مروا بها .
المرأة سليمة من اية عاهة او مرض ، الا مرضاً مزدوجاً قتالاً يفتك بها ويمنعها من الشغل هو مرض الجهل والكسل الذي اسبغ عليها منظر قذارة تشمئز منها النفوس ودفعها الى الاحتيال على العيش باذلال نفسها واذلال ولديها على هذه الصورة .
لماذا تشحذ هذه المرأة ؟ يرجح ان لها زوجاً تعايشه لانها كانت في العام الماضي ذات طفل واحد فاصبحت ذات طفلين فالزوج هو المسؤول الاول عن حالتها هذه . اما جهلها وكسلها ــ وهما السببان الرئيسيان في دفعها الى الشحاذة ــ فمن تراه المسؤول عنهما ؟ تقولون هو فقرنا في المدارس والعلم المهني فلو كانت المرأة اقل جهلا لما انساقت الى هذا الهبوط
اما اذا كانت لاجئة فاننا نلوم اولياء الامر الذين يسمحون بان تتسرب الى البلاد ــ وخصوصاً الى عاصمتها التي تكاد تختنق بالسكان ــ طوائف من هذا الصنف الطفيلي المسخط .
اما المسؤولون الاخر ، الذين يستحقون اشد اللوم ويحملون اهم جزء من المسؤولية فهم المارة . هم سكان العاصمة السذّج الذين يعطون الشحاذين رغبة في الاجر ويشجعون امثال هذه المرأة على امتهان هذه الحرفة الشائنة
قد نغتفر للعميان والمشوهين هبوطهم الى مهنة الشحاذة ما دامت الحكومة غافلة عن انشاء مأوى للمشوهين . ولكن كيف يستطيع اهل بيروت ــ وهم في جملتهم من ذوي الثقافة ــ ان يعطوا امرأة قادرة على الشغل . وكيف يشجعونها ــ هي وزوجها ــ على استغلال اطفالها على هذه الصورة بارغامهم على الاضطجاع على بلاط الرصيف طول النهار ، دون حركة ، في البرد وفي الحر ، لا يسترهم غطاء ولا يقيمهم فراش ؟ وماذا ننتظر في المستقبل من مثل هؤلاء الاطفال الذين يضطجعون بلا حراك على الرصيف ، امواتا بصورة الاحياء واية جريمة بحق الاولاد يرتكبها اولئك الذين يعطون الوالدة
كتب المحرر العلمي لجريدة نيويورك تيمس ان السر في كيف يطير الخفاش او الوطواط ليلاً بدون خطر من اصطدامه بالحيطان والسقوف في الظلام الدامس ــ هذا السر بقي موضوعاً لبحث العلماء خلال عشرات السنين . ولكن ثبت منذ ٤ سنوات ان الدكتور جبالامبوس من اساتذة جامعة هارفرد قرر بعد التدقيق الطويل ان الوطواط يرسل نغمة قوية يعكسها الحائط او السقف الذي يكون الطير متجهاً الى ناحيته فيسمع صداها ويجتنبها .
وعلى هذا المبدأ عينه صنع الرادار . ( والرادار آلة راديو ترسل موجة كهربائية فاذا اصطدمت بطائرة في الجو عادت حالا معكوسة منها فتلقطها آلة راديو للقبول مركزة بجانب الآلة المرسلة .
ويقسم العامل الوقت الذي مر بين الارسال والقبول فيعرف مركز الطائرة المقبلة صوبه . وبهذه الوسيلة كان الحلفاء يعرفون مراكز طائرات الاعداء ليلاً فيتأهبون لمقاومتها قبل وصولها ) .
المجرمة التي كان عليها ان تشتغل لتطعمهم وتأويهم في البيت او المدرسة بدلا من ان ترعيهم على رصيف الشارع
ولا يقل جهلاً عن المارة المتصدقين اولئك المعلمون والمعلمات الذين يشجعون الشحاذة بترغيب الطلاب في الاحسان الى الشحاذين واعطائهم موضوعات انشائية قديمة بالية كهذا الموضوع : « وجدت شحاذاً مسكيناً يمد يده بالسؤال ماذا عملت له ؟ كيف ساعدته وخففت بلواه ؟ »
الا يعلم هؤلاء الاساتذة انهم بذلك يشجعون التطفل والذل وانحطاط النفس والاتكالية ، جميع هذه الامراض التي يجب ان نحاربها ؟ الا يعلمون ان الاحسان على هذه الصورة لا يحل مشكلة الفقر وانما هو كالتداوي من داء بداء اسوأ منه . ان التصدق على
الشحاذين يزيد الفقر والاتكالية وهو كالمسكن الذي يخفف الوجع برهة ليزيده بعد انتهاء مفعوله . انه طريقة قديمة بالية للعلاج وقد آن لنا ان نقلع عن المسكّنات ونستأصل الداء من جذوره .
لنحارب الكسل وذل النفس بالامتناع عن اعطاء الشحاذين . فاذا امتنعنا نحن امتنعوا هم عن الشحاذة واضطروا الى الشغل اذا كانوا قادرين عليه اما ذوو العاهات بينهم فسيضطر ذووهم واهل الغيرة من السكان الى السعي لايوائهم في الملاجئ اما بملاحقة الحكومة لهذا الغرض او بتوسيع المشاريع الخاصة التي تقوم بمثل هذا العمل كمشروع الاب يعقوب مثلاً .
بهذا ترتاح بيروت من بعض اثقالها .
روز غريب