الاوبرا خالية من العيب، لولا الاجزاء التي ضاعت منها عندما نقلت من ايطاليا الى باريس، ولم يستطع احد ان يرجعها الى اصلها حتى Gluck نفسه. وما يزيد في اهمية هذا النقص كون الاجزاء المفقودة من جوهر تلك القطعة، حيث تبلغ الاوبرا ذروة العقدة في نفس ألسيست بين الواجب والعاطفة. ولولا تعلق Gluck بهذه الاوبرا لاعاد تأليفها من جديد. واذا استثنينا هذا النقص، وهو لا يدخل فيما سنسمعه الليلة، نستطيع ان نقول انه لم يتمكن احد في تاريخ الاوبرا، لا قبل Gluck ولا بعده، من تجسيد عاطفة الحب، ومن خلق العقدة المسرحية العنيفة، موسيقياً، كما تمكن Gluck في هذه الاوبرا التي نسمع افتتاحيتها هذا المساء.
اما قصتها فموجزة تدور على ان ألسيست، تفانياً منها في حب زوجها ادميت، آثرت ان تزيد في حياته ما بقي من حياتها، وقبِلَ الآلهة بتلك المبادلة. الا ان هرقل، وهو القوي العاقل، يصل في اللحظة التي كانت تنوي فيها ألسيست القيام بتلك التضحية الكبرى، فيردها الى زوجها بعد ان يستأذن من الموت. على هذه الفكرة تدور الاوبرا من اولها الى آخرها.
يبدأ الموسيقيون بعرض موسيقي متعدد الاصوات والالوان لكل ما يمكن ان
يتخيله المرء من جمال وحب، ثم تتطور وتنخفت فكأننا قريبون من التضحية، ثم تتهدج وترتجف فتحملنا الى جو مسرحي نشعر انه يحضرنا لمشاهدة مأساة، ثم ننتقل على انغامها الى حالة من الحيرة، فكأن ألسيست تتردد في اعتبار عملها من نوع التضحية، وهي تسأل نفسها: اين انا؟ وكأن اصواتاً سماوية تجادلها بشأن تلك الرحمة القاسية التي تذهب بعمر انسان لتزيد في عمر انسان.
ونسمع البواري والابواق وجميع آلات النفخ تمثل اصوات السماء وكأنها تتجادل مع صوت السيست كما نسمع شتى الآلات الوترية تمثل الجو الذي نشأت فيه تلك الازمة الفريدة.
ولعل من اكبر اجاد Gluck انه استطاع ان يعين لكل آلة من آلات الاوركسترا معنى خاصاً تعبر عنه. ومن بعده اصبح لكل آلة معناها عند المؤلفين الموسيقيين.
هذا مقام اوبرا السيست في عالم الاوبرا، وهو كما ترى صفحة جديدة لا في تاريخ الاوبرا فحسب بل في تاريخ الموسيقى ومع ذلك فعندما لعبت لاول مرة وكانت قد ضاعت بعض اجزائها صرخ Gluck بحزن وخيبة. لقد سقطت السيست! فاجابه جان جاك روسو: نعم ولكنها سقطت من السماء! وفي الواقع سوف نشعر الان، عندما نصغي الى افتتاحية هذه القطعة اننا نسمع موسيقى اتتنا من السماء.
ر.م

