

في صبيحة يوم من أيام باريس الفضية الناعمة ، وبعد سياحة قصيرة في متحف اللوكسمبرغ استعرضنا خلالها الفن الأوروبي الحديث من « التأثيريين » إلى « الوحوش » بيكاسو ، أندره لوت ، موريس دنيي ، جورج ديفاليير ، جان مارشان ، ماتيس ، وغيرهم ، إلى لوحات « مدرسية » لجان بول لورانس وولديه ، وريني إينشفري ، وبوجون وغيرهم وغيرهم ... زيارة كانت لنا بمثابة القهوة المرّة توقظنا من ذهول كان يستحوذ علينا كلما تعبنا من العمل المتواصل في الأكاديمية والدرس عن « المودل » الحي ووطأة الاستاذ الحامل على كتفيه بعنفوان تراث انغر ، ودافيد وشرف المدرسة الفرنسية العريق .
رجعنا واجمين ، والأمل يغرينا ويدغدغ أنانيتنا ، وكل منا يريد أن يكون المصور العبقري الذي يقدر أن يملي شريعته على عصره . أمن العدل أن تكون الهفوة عند ماتيس بدعة من بدع الفن ، وأن نقاس نحن بمقياس دافيد وأنغر ، وما خرج عن هذا المقياس بعد خطأ يجب اصلاحه . لماذا يجوز لبيكاسو أن يضع إحدى العينين فوق الحاجب وأختها تحت الأنف فيكون عمله من نوع « الميتافيزيك » ، وإزاحة عين قيد شعرة عن موضعها من يد ليس وراءها طبل وزمر خطيئة لا تغتفر . لماذا ؟ لماذا ؟ وكانت لماذا هذه تعذبنا وتثير في نفوسنا عاصفة هوجاء .
وصلنا إلى الاكاديمية فإذا بالمودل جالسة بانتظارنا « لا ! لا نريد هذا الوضع من قال لك أن هذا جميل . غيري حالاً » وأخذت المسكينة تغير أوضاعاً من واقعة أو متكئة ، فراكعة أو مستلقية ، ونحن نصيح بها : غيري هذه الأوضاع المبتذلة . فتقوس ظهرها وتلوي فخذيها ، وتحني رأسها ، وترفع ذراعيها ولا شيء يعجبنا . فصحنا بها جميعاً : « اذهبي ، اذهبي » فخرجت المسكينة والدمعة في عينيها تشكو قسوة الفنات وعنجهية الخالق الصغير .
هيا بنا إلى اللوفر نستنطق روبنس ورامبرانت وتيسيان ودلاكروا . أما فيلاسكيز هذا اللغز الذي لا يحل ، الصامت كأبي الهول فلا طاقة لنا على درسه ، وبينما نحن نسير باتجاه الباب إذا بنا نسمع قرعاً خفيفاً ، وإذا بالباب يفتح
ويطل علينا وجه أشقر بشعر أحمر بندقي ، وعينين عميقتين غائرتين يبص في انسانيها ألم مكبوت ، ورعب يرتسم عليها وعلى قسمات الوجه كلها ، وعلى الأنف عنفوان بدأ الدهر يذله ، أما الفم فهو دقيق الرسم ولعلها هي التي أحكمت رسمه بأحمر العطار . فتراجعنا
إلى الوراء كأننا أمام رؤيا ولكن واحداً منا استجمع قواه وصاح بصوت فيه رجفة لم نعهدها فيه : أرينا عريك
فاجابت بذل :
- لمثل هذا جئت ، أريد عملاً ، مهما يكن هذا العمل
وخطت خطوة إلى داخل القاعة ، ففسحنا لها المجال ، ثم انتحت زاوية وخلعت ثيابها ... وقفت على المنصة الخاصة بالمودل ، وأسندت ظهرها إلى الحائط وأرخت ذراعيها كأنها حمل ثقيل تريد أن تلقيه . فبرزت كاملة التركيب متناسقة التقاطيع ، شفافة الألوان ، دقيقة دوناً نحول ، مستديرة الجسد يسيل
