منذ مدة وجيزة تبرعت بكمية من دمي لاحد المرضى في المستشفى . ولطالما كنت اتوق للقيام بهذا العمل منذ زمن بعيد . وبالرغم من ذلك ومن تطوعي بملء ارادتي لاداء هذا الواجب الانساني ، فقد امتنع لوني وجفت شفتاي وازدادت دقات قلبي عندما اضطجعت على منضدة العمليات ورأيت حولي تلك المجموعة الكبيرة من مختلف الآلات الجراحية فايقنت فجأة بان اعراض الرجل الخائف بدت علي .
عندما بدأ الطبيب بعملية نقل الدم غير المؤلمة ، والتي كان تأثيرها علي كفعل الدواء المقوي ، اخذت افكر في رد الفعل هذا ، اي في هذا الاحساس بالخوف وادركت انه حليف عظيم للانسان . فمنذ ظهور الانسان في عالم الوجود ما فتىء نزف الدم امراً خطراً على الحياة ، ولو أن الانسان الاول لم يقم بعمل يمنع نزف الدم من جراحه لكان الامر خطيراً للغاية . ولكن الخوف استحثه للقيام بعمل يمنع نزف دمه من جراحه وكان ان شد بيده على ذراعه الجريح من شدة خوفه وهكذا استخدم اول نوع من انواع الملاقط لمنع النزيف . ووضع بعدئذ كتلة من الطين على جرح فكان بذلك اول ضماد استخدمه الانسان . وكان الخوف من النزيف الدموي الدافع الواقع منذ مليون سنة ، كما كانت الحال معي بالامس عندما كنت مضطجعاً على منضدة العمليات .
والخوف في حقيقته مفيد . فخذ مثلاً حادثة او حادثتين وحلها . فمنذ بضعة ايام كنت اتحدث الى احد المظليين الذي يعد من اشد الناس جرأة . وقد اعترف انه كان عليه ان يبذل جهدا عظيما في السيطرة على مخاوفه كلما كان يرمي نفسه في الفضاء من عل . فالخوف من السقوط هو احد المخاوف الاساسية في الانسان . ولذا ترى الوالد الفخور بطفله البكر متحفظاً بحمله اياه كأنه اناء زجاجي . ومع كل احتراس الوالد ترى الطفل يبكي في حين انه عندما تحمله الممرضة القديرة التي لا تخاف عليه من السقوط من يدها لا يبكي . والخوف المتأصل فينا من الارتفاع الشاهق لا شك انه خيرنا اذ فقدنا من ملايين السنين المقدرة على التأرجح من غصن الى آخر في اعالي الاشجار
الباسقة واصبح سقوطنا في ارتفاع عشرين قدما يودي بحياتنا . وبعمل الان الخوف من السقوط فينا كرقيب امين لا يمكن ان تتركنا عيناه لحظة واحدة بحيث ان المرء يحتاج الى قوة ارادة عظيمة حتى يستطيع التقدم خطوة او خطوتين من حافة شفير هار .
وثمت خوف طبيعي آخر وهو الخوف من الظلام . والاطفال عرضة له اكثر من الكبار بنوع خاص . ولكنني اذكر جنديا وصف الليلة الاولى التي قضاها كخفير وكانت حالكة الظلام شديدة الرياح والعواصف . قال الجندي : « اسندت ظهري الى الحائط واصبح كل عضو في كأنه آذان مرهفة السمع . اجل ، ان الظلام خطر ، فالضواري والافاعي تنشط ليلاً في الادغال لانها تخرج تحت جنح الظلام لاصطياد فرائسها ، وهكذا فان الخوف من الظلام قد حدا بالانسان ان يلجأ الى كهفه منكمشاً على نفسه بالقرب من النار حالما تغرب الشمس . ولولا هذا الخوف الفطري من الظلام لانقرض الجنس البشري عندما كان في طور الهمجية .
والمخاوف العقلية او النفسانية مفيدة ايضا للانسان كالمخاوف الطبيعية او الجسمانية . خذ مثلاً الشعور بالوضاعة الذي يتلمس كل شيء من جراء الخوف من كل شيء . ومع انه يمكن ان يكون الان مؤذيا فقد كان فيما مضى ولا شك من العوامل الواقية او الاسباب الدفاعية . تصور الخطر الذي يتعرض اليه الظبي لو تجرأ على الدخول بين جماعة من الذئاب . وهكذا الحال في الانسان . لذلك كان خيره ان اعطي الشعور بضعفه وعجزه ازاء اعدائه عندما كان في العصر الحجري او قبله ولذلك ايضاً كان شعوره بعدم كفاءته يوفر عليه عناء مجابهة المتاعب والاهوال التي لا قبل له على تحملها . وكان هذا الشعور متأصلاً فيه كالغرائز الاخرى مما مكنه من البقاء وأبعد عنه خطر الانقراض .
لهذه الاسباب اعتبرت الخوف اقدم صديق لنا . ولكننا نحسبه عادة عدوا يجب ان نذلله او ضعفا نخجل به . والحقيقة هي اننا اصبحنا في مستوى ارفع من الحيوان غير ان لنا فيه
