
لا بد للناظر الى تاريخ العرب ، من
التساؤل عن حياة الفرد الاجتماعية التي
كوّنت حياة الامة العربية وخرطت في
سلكها عادات العرب وتقاليدها . فالفرد
في اي مجتمع كان له اثره في توليد القوة
الدافعة مادياً ومعنوياً .
اطرق هذا الموضوع وانا شاعرة بتألم
وغيرة على ما وصلنا اليه من جهل طغى
فأعمانا عن اصول آدابنا العربية فتهادينا
على التقليد ، كأنما توخينا الانفصال عن
الماضي بتاتاً . ولو قارنا بين مقاييس اللياقة
والكياسة عند السلف وبين ما ندعوه
« الاتيكيت » اليوم لوجدنا اوجه الشبه
كثيرة وربما انفتح لنا باب التفاضل ، مما
يبيض وجه الماضي .
ولاقليم الارض ومناخه وما يتصل به
من الموارد ، وما يتأتى عنه من حاجات ،
اثر فعال في توجيه السلوك ، واثبات
العادات في اي قوم من الاقوام .
ففي الجاهلية تأصلت العصبية القبلية ،
والصدق ، والشهامة ، والشجاعة ، والصبر ،
والضيافة ، وتمشت في عروق العرب ،
فتمرسوا بها ، وأمست من ميزاتهم
العامة . غير انهم اختصوا الرجل الشهم
«Gentleman» بميزات خاصة اجملها تحت
ابواب ثلاثة - الكتابة ، والعوم ، والرماية
- فمن اتقنها سمت منزلته اديباً وفارساً
بين أقرانه .
ولما جاء الاسلام وفق بين الدين والحياة
الدنيا ففرض النظافة واوجب الصيام ومنع
المسكرات ، وسن نظام الزواج مراعاة
للصحة العامة . وحثت الآيات المنزلة على
التزين بالاخلاق ، فاوجبت الزكاة ، والبر
بالوالدين والأقربين . وهكذا وضع الاسلام
حجر الزاوية لحياة الفرد ، فقربه من ربه ،
وعين سلوكه تجاه نفسه ، ومن حوله .
اما عصر الراشدين فقد زخر بحملات
نشر الدعوة وتثبيت دعائم الدين ، فساد
فيه الجهاد العنيف حتى اصبح العيش الخشن
ظاهرة مألوفة . ولم يتيسر لاولي الامر
متسع من الوقت لتنقيح العادات الاجتماعية
واساليب العيش والسلوك فانحصرت في
نطاق الورع والتقشف ، الى ان جاء
الامويون فوسعوا آفاق الفتح وتمازجوا
مع الامم المغلوبة ، فألفوا حياة الترف
وتأنقوا في ملابسهم ولطفوا من عاداتهم
فجمعوا بين خصال ورثوها وآداب
اوجدوها لانفسهم ، فأصبحت مطمحاً
لانظار المهذبين من الجنسين .
ولما بزغ العصر العباسي اتخذت الحياة
الاجتماعية شكلا راهناً ، اذ كان العرب
قد فرغوا من فتوحاتهم ، وصفا لهم الجو .
فانصرفوا الى الملذات غير عابئين