
يكاد لا يزيد حجم الذبابة المألوفة في المنازل على ربع بوصة من مقدمة رأسها حتى مؤخرة جسمها. ومع ذلك فهي افضل وسيط طبيعي لنقل الجراثيم. فقد وجد العلماء الذين قاموا بإحصاءات علمية دقيقة وكثيرة ان اجناساً مختلفة من الجراثيم المعدية تنقلها الذبابة بارجلها وجناحيها وفمها وفي داخل جسمها في آن واحد. وقد يبلغ عدد الجراثيم هذه ما يتراوح بين المليون وربع المليون وبين ٦ ملايين وستماية الف جرثومة كجراثيم الجمرة الخبيثة وحمى التيفوئيد ومرض الجذام والسل والزحار الاميبي والطاعون الدملي.
ويظهر ان مهمة الذباب المنزلي الطبيعية نشر الجراثيم الخطرة اذ يقضي وقته متنقلاً بين زرائب الحيوانات والمزابل والمطابخ والمأكولات الشهية، كأن لا وظيفة له سوى الاتجار بالجراثيم وذلك ليس عن قصد سيء او عداوة خاصة ضد الانسان بل لان ذلك يحصل صدفة اذ تحط الذبابة على الشهي من المآكل وهي مشحونة بالجراثيم المؤذية التي لا تؤثر في جسمها مطلقاً كأن فيه مناعة طبيعية ضد هذه الجراثيم الفتاكة بالانسان.
وبفضل هذه الاجنحة الصغيرة تستطيع الذبابة التنقل بسرعة من مكان الى آخر. فقد اثبت احد العلماء ان الذبابة تقطع في مدة اربع وعشرين ساعة مسافة تزيد على اثني عشر ميلاً. وفي اثناء طيرانها يبلغ عدد اهتزازات الجناحين او رفرفاتها اكثر من ستين الف مرة في الدقيقة الواحدة. ويقدر ان ١١ بالمئة من وزن الذبابة يؤلف وزن العضلات المحركة للجناحين لذا تبلغ سرعة الذبابة خمسة اميال في الساعة.
ومن جملة الاسباب التي تجعل من الصعب اصابة الذبابة بضربة في اثناء طيرانها وفي اثناء جثومها على سطح ما، هو مقدرتها الفائقة على رؤية الاشياء في جميع الجهات. ففي مقدمة رأسها عينان
بارزتان لكل منهما اربعة آلاف عدسة منفصلة الواحدة منها عن الاخرى فيكون مجموع العدسات في عينيها ثمانية آلاف عدسة، في حين ان عين الانسان مجهزة بعدسة واحدة. وليست عينا الذبابة مجهزتين بالجفون كما هي الحالة عند الانسان. والذبابة البالغة شغوفة بالنور في حين ان يرقاتها وصغارها قبل البلوغ تنفر من النور وتحب الظلام. والذكور تحب النور اكثر من الاناث المجهزات بحاسة قوية للشم كما تساعدهن على تنشق روائح افضل الاماكن التي تبيض فيها. وجهاز الشم عبارة عن شعرتين بارزتين بين العينين فيها عدد كبير من اعصاب الشم بحيث تستطيع الذبابة تنشق اضعف الروائح التي لا يحس بها عصب الشم عند الانسان.
وفي اسفل وجه ذبابة المنزل خرطوم او انبوب للمص يقوم مقام الفم عند الحيوان. لذلك فهي لا تستطيع ان تعض لانها لا تملك اسناناً وفكين بل تقتات على الطعام بحالته السائلة. وهذا ما يجعلها خطرة على الانسان بصورة دائمة. فعندما تستقر الذبابة مثلاً على قطعة صلبة من السكر تقذف من احشائها او بالحري من غددها اللعابية بواسطة خرطومها سائلاً لعابياً مشحوناً بالجراثيم. وهذا السائل يذيب قليلا من السكر فتمتصه الذبابة تاركة ثمن ما اخذته من السكر مقداراً من الجراثيم. وعندما تنتهي من وليمتها ترفع خرطومها وتطويه في اسفل وجهها وتطير الى مكان آخر.
وهل تساءلت مرة كيف تستطيع الذبابة السير على سطح زجاجي املس ام كيف تستطيع الاستقرار والسير على سقف الغرفة بحيث يكون جسمها منقلباً الى اسفل؟ وكيف تستطيع تحريك ارجلها الست في آن واحد دون ان تتعثر بمشيتها؟ فالجواب على السؤال الاخير هو انها تحرك ثلاثة من ارجلها معاً في وقت واحد وذلك بان تحرك الرجل الوسطى في احد الجانبين مع الرجلين الامامية والخلفية في الجانب الآخر. وكل رجل مجهزة في طرفها بمخالب وراحة لحمية بينها، فتستعمل المخالب للتمسك بسطح خشن والراحة اللحمية للصعود على سطوح ملساء ناعمة والسير على السقف عندما يكون جسمها منقلباً.
والجدير بالذكر ان الذبابة مجهزة بعدة اجهزة للذوق هي عبارة عن شعيرات منتشرة في جميع انحاء جسمها وفي ارجلها حتى اذا ما استقرت على مادة شهية شعرت بها حالاً بواسطة هذه الشعيرات الذوقية في ارجلها وتوقفت حالاً لتدلي خرطومها وتتناول ما طاب لها من المادة مخلفة مقداراً من الجراثيم عليها من خرطومها وارجلها.
ويبقى جسم الذبابة مدى حياتها مشحوناً من الداخل والخارج بعدد عظيم من شتى انواع الجراثيم الفتاكة. كما ان الانثى تضع بيوضها البالغة ست مئة بيضة في عدة اماكن وعلى دفعات كل واحدة منها تتألف من ١٢٠ بيضة او مئة على الاقل وذلك في الاماكن العفنة او في المزابل. ويساعد نور الشمس هذه البيوض كي تنقف بسرعة فلا يمضي عليها اكثر من ثماني ساعات حتى تنقف وتخرج منها يرقات الذباب التي تتحول الى ذباب بالغ في مدة خمسة ايام. وافضل الطرق لمكافحة الذباب هي النظافة واستعمال المواد الكيميائية القاتلة للحشرات والاكثار من استعمال السيارات بدلا من العربات التي تجرها الخيول لان بذلك ينقص عدد مزارب الحيوانات التي يكثر فيها الذباب.