


أعجبني في دانتي، مع هذا النبل، صدق سجيته وسلامتها من التصنع، وهذه مزية أمثل للأديب من أي مزية أخرى. فرأيناه وهو الفقيه بالتعبير اللاتيني الرفيع، يصوغ أفكاره شعراً بتعبير العامة من مواطنيه: فأقرّ للكلمة حقها في التطور والنمو ككل كائن حيّ. ورأيناه ينطلق في القول كحمامة الزاجل التي لا غاية لها ولا رغبة الاّ الوصول إلى حيث ينبغي لها ان تصل: فأقرّ للشعر حقه في الجلوس، مع فنون الكلام الاخرى، على أعلى قمة من قمم الاولمب.
وهكـذا كانت «الكوميديا الالهية» سفراً خالداً من اسفار الخلق والابداع، تناقلتها لغات الأرض الحية ـ إلاّ لغتنا ـ ودرّستها امم الأرض المتمدنة لابنائها ـ إلاّ أمتنا.
وكم يغتبط قارئ «الكوميديا» بهذا التجوال الفريد في عالم الاموات، وهو من حقه ان يكتئب. ذلك
لأن «دانتي»، وقد اراك من المشاهد ما تنقبض له النفس، اسمعك من القول ما تنشرح له وتتناسى ما عداه. وهنا سرّ عبقريته الفنية. ومن هنا كان دانتي أقرب الفنانين إلى بيتهوفن، ذلك الذي ينتزع لك الفرح من الألم (La joie de douleur).
وكم يروق لقارئ «الكوميديا» ان يتوقف، عند كل صفحة من صفحاتها، لكي يتأمل ويفكّر ويعجب. فهو لا يضيع ولا يندهل ولا يسأم شأنه عندما يقرأ هذا الشعر المطهم المبرقع الذي انتهينا اليه في هذا الجيل، والذي، كلما امعن صانعوه في التهرب به من الفضيحة، اقتربوا به من الوقوع فيها. لقد اظلم افق الشعر منذ ما توارى آخر كوكب من كواكبه في القرن المنصرم. وماذا كان «فاليري» يستطيع ان يفعل غير الذي فعله؟ ايسمّر أقدامه في وجه التيار الجارف، وهو لم يُمنح، كسقراط الاغريقي، نعمـة الحق القديم؟؟
وبعد، ما اصعب التحدث عن «دانتي» في لغة، لو كان هو من ابنائها، لما استطاع ان يكتب فيها حرفاً قبل ان يجعلها في حال تتفق مع صدق سجيته وسلامتها من التصنع.