واحتلت مكانها اعتبارات المصلحة السياسية المجموعية ...
ولهذا نجدهم ايضاً يخضعون الزواج لتشريعات وتدخلات واعتبارات لا تمت الى المحبة والالفة بصلة : فاذا بالزواج قسري لا اختياري ، واذا بالفريقين تختارهم مجالس او هيئات خاصة في الدولة ، بدلا من ان يختار كل منهم الآخر بملء ارادته وبوحي محبته وبفعل الانسجام النفسي المنبثق من باطن النفس واعماق القلب والضمير ...
ونجد الاغريق ، بالتالي ، ينظرون الى
المرأة كمخلوق مهمته الترفيه او التسلية او الانتاج ، بدلا من ان ينظروا اليها كانسان له قيمة الانسان الذاتية النهائية ، وله مصير الانسان الحر المقدس ، وله كرامة الانسان بحد ذاته ...
ونجد الاغريق يحددون مهمة المرأة في المجتمع ... فهي وسيلة للتناسل ووسيلة للترفيه ، لا يليق بها الاشتغال في شؤون تروق لها وتختارها بملء حريتها ، بل عليها الانزواء في بيتها ، تؤمن لرجلها طعامه ، وترتب بيته ، وتشرف على شؤون الدار الداخلية . فنجد الاغريق بالتالي يحدون من آفاق اهتمام المرأة ونشاطها ، ويكبتون الحيوية الدفينة في نفسها ، كما في نفس الرجل ، تلك الحيوية التائقة للانطلاق في اجواء الخلق والابداع ، في آفاق العمل الحر والنشاط الذي لا يقيده اي اعتبار !
هكذا نجد نظرة الاغريق الكلاسيكية الى المرأة - نظرة تنبثق عن تقدير خاطىء لانسانيتها ولانوثتها ،
وتوحي باعتبارها كائناً ادنى في مستوى انسانيته من الرجل واقل منه قيمة وشأناً .
فالمرأة ، في نظرهم ، ليست مساوية للرجل في انسانيته - وهنا مصدر نظرتهم الى مهمتها المحدودة ، والى حقوقها المبتورة ، والى مقامها المنخفض . وانوثة المرأة ، في نظرهم ، ليست تنوعاً لانسانية الانسان ، التي تشمل الجنسين على السواء - ليست تنوعاً غنياً لطبيعة ثرية قابلة للتنوع : - بل للمرأة في نظرهم قدر من الانسانية اقل من قدر الرجل واخفض كمية ...
ضمن اطار هذه النظرة الى المرأة ، وطبيعتها ومقامها ومهمتها وحقوقها وواجباتها ، تتضح لنا اخطاء النظرة الاغريقية الى طبيعة الانسان بحد ذاتها ، والى معنى التنوع الغني في طبيعته الخصبة . والى هذه النظرة نستطيع ان نعزو الشيء الكثير من العقم والجمود في المثل العليا الفلسفية الاجتماعية التي تتدحرج الينا في التراث الاغريقي ، كما نعزو شلل المؤسسات الاجتماعية الاغريقية . واخيراً ، الى هذه النظرة عينها نعزو ، بحق ، القحط في الحياة الشخصية الانسانية لدى الاغريق ، ذلك القحط الذي يحدّ من رقي الادب والفن الاغريقي ، ويحول دون تجــلي النفس الانسانية فيه باسمى مظاهرها ، واكمل عناصرها ، واعمق اسرارها ...