
مرحباً بعيد الميلاد المجيد، يأتي في كل عام مرة حاملاً للعالم رسالة الايمان والمحبة في جو مستمد من سيرة الولادة المقدسة، وحافلاً بألوان جميلة من التقليد. فالاجتماعات العائلية حول مائدة واحدة ومبادلة التحيات والهدايا والاشتراك بالاناشيد الروحية وفرح الاولاد وشجرة العيد «والبابا نويل» وما ينقله البريد من بطاقات موشاة بالصور والاشعار، كل هذه عادات اجتماعية نبيلة لاينكرها إلا من تحجرت عاطفته ورسفت نفسه باغلال المادة.
بيد انها عادات حديثة العهد اذا قيست بتاريخ الكنيسة التي يرجع لها الفضل الاول في الاحتفاظ بعقائد الدين المسيحي وما كان لهذه العقائد من تأثير على الفن والادب حتى عصرنا هذا. ومن الحقائق الراهنة ان الفن لم يستوح في تطوره موضوعاً اعظم واقدس من قصة الطفل المسيح كما وردت في الاناجيل:
«فصعد يوسف من الناصرة الى بيت لحم ليكتتب مع مريم امرأته المخطوبة وهي حبلى، وبينما هما هناك تمت ايامها لتلد فوضعت ابنها البكر وقمطته واضجعته في المذود اذ لم يكن لها
موضع في المنزل.
«وكان في تلك الكورة رعاة يحرسون حراسات الليل واذا ملاك الرب وقف امامهم ومجد الرب أضاء حولهم فخافوا، فقال لهم الملاك لاتخافوا فها انا ابشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب. انه ولد لكم اليوم مخلص هو المسيح الرب. وظهر بغتة جمهور من الجند السموي مسبحين الله وقائلين. المجد لله في الاعالي وعلى الارض السلام وبالناس المسرة.
«واذا مجوس من المشرق قد جاؤوا إلى اورشليم قائلين اين هو المولود ملك اليهود، فاننا رأينا نجمه في المشرق واتينا لنسجد له. فتقدمهم النجم حتى جاء ووقف فوق حيث كان الصبي وامه فخروا وسجدوا ثم فتحوا كنوزهم وقدموا له هدايا ذهباً ولباناً ومراً.
«وبعد ما انصرفوا اذا ملاك الرب قد ظهر ليوسف قائلاً قم وخذ الصبي وامه واهرب الى مصر لان هيرودس مزمع ان يهلك الصبي، فقام واخذ الصبي وامه ليلاً وانصرف إلى مصر.»
هذا هو الحدث العظيم الذي خلق للناس تراثاً ابدياً يستلهمونه للخير والفن والادب ويشحذون فيه قرائحهم فتصدر عنها تلك الروائع الخالدة التي تزين صدر المدنية.
عهدت الكنيسة بادىء ذي بدء إلى اصحاب المواهب من رهبان وغيرهم رسم سير السيد المسيح والقدّيسين لغاية العبادة ودامت هكذا محتفظة بهذه الميزة اثني عشر قرناً إلى ان تسلمها رواد الفن في ايطاليا وفي مقدمتهم سيمابو وجيوتو وفرا أنجليكو وفيلي ليپي وعدد اخر من اقطاب المدرسة الايطالية كبوتيشلي وبليني وماتينا ثم جاء الجبابرة تنتوريتو وتيسيان ورفائيل وميكل انجلو وليوناردو دافنشي. وجرت العادة ان لا يقوم فنان ذو صيت إلا اذا عالج من حياة السيد موضوعاً او اكثر، وتطورت الغاية من العبادة إلى الفن المجرّد، كلٌ يستوحي العنصر الاساسي في قصة يسوع ليصوغه بقالب من خياله تحت تأثير بيئته وزمانه. ولهذا نرى اختلافاً في المظاهر وإن تلاءم الجوهر الذي لايتغيّر.
فمهما نجد من تفاوت بين اسلوب واخر او بين زي وزي فسمات الطهارة والوجل في وجه العذراء امام الملاك اذ جاء يبشرها، وسمات الحنان والرضى في وجه الأم تغمر طفلها، وسمات الالم والتضحية في وجه المسيح المصلوب، هذه السمات هي لا تختلف إلا بقدر ما اعطي الفنان من موهبة على اظهارها.
وكثيراً ما تُضحّى الوقائع التاريخية والاعراض الزمنية والطبيعية من اجل الحقائق الأزلية، وإلا فكيف نقبل من فيلي ليپي مثلاً منظراً ايطالياً بحتاً حول المولود في مغارة بيت لحم، او من لورينزو دي كريدي وضعاً غريباً للطفل وهو ملقى على الارض يكلم الجوع، او من رمبرانت كهفاً هو اشبه بكاتدرائية غوطية، او من موريللو اماً وطفلها يرفيان على

