ليس في هذا اللقب غرابة. فلم يكن بينها وبين السلطنة الفعلية الا لفتة عابرة من لفتات الحظ، وبسمة من بسمات الدهر.
عندما هاجم القيصر «اوريليانوس» جيوش تدمر، ورأى من بأسهم وشجاعتهم، ومن بأس وشجاعة زينب، كتب الى مجلس الشيوخ في روما يقول: «قد يستضحك مني بعض الناس على محاربتي لامرأة، فاعلموا ان زينب اذا قاتلت، كانت ارجل من الرجل.»
وبعد اسابيع، كانت جيوش القيصر تهلك باطلاً حول المدينة. ففكر بطريقة يستعطف بواسطتها زينب، ويدعوها لتسليم حاضرتها، فبعث اليها بهذه الرسالة:
«من القيصر اوريليانوس ملك العالم الروماني وسلطان المشرق، الى زينب واصحابها، سلام،
قد وجب عليك ان تفعلي من تلقاء نفسك ما ادعوك اليه بهذه الرسالة. وهو ان تخضعي للرومان، وتستسلمي لي. فعلى هذا الشرط، ليس الا، تنالين سلامتك، وتستحقين عفوك. فان فعلت يسمح لك مجلس الشيوخ الأعلى ان تعيشي انت وعيالك في مدينة يعينونها لك. فسلمي اذن لبيت مالنا، كل ما لديك من الجواهر والذهب والفضة والخيول والجمال، وانا اتعهد لك، اني سأحفظ للتدمريين حقوقهم.»
فأجابت زينب:
من زينب سلطانة المشرق الى اوريليانوس اغسطس،
ان ما التمسته مني بكتابك، لم يتجاسر احد ان يطلبه مني برسالة. افنسيت ان الغلبة بالشجاعة لا بتسويد الصفحات.. وان كان لصوص الشام قد تغلبوا عليك وهم منفردون، فكيف يكون حالك اذا اجتمعت بحلفائي على مقاتلتك. فلا شك انك تخنع لي وتجرد نفسك عن كبريائها التي حملتك على طلب المحال» —
ان جواباً كهذا، قاسي اللهجة، قوي النبرة، لينطوي على شجاعة واعتداد لامثيل لهما. ومن اين لزينب هذا الاعتداد؟ ومن هي هذه المرأة التي جابهت الرومان وكادت تتغلب عليهم... من هي زينب التي أعدت ابناءها اعداداً عالياً وعلمتهم اللغة اللاتينية ليكونوا اهلاً لتسنم عرش روما في يوم من الايام!..
كل ما يعرف عنها الجمهور، انها زينب ملكة تدمر، او زينب الزباء، وكفى!.. غير ان الحقيقة ابعد من هذه التسمية.
ان اسم زينب في اللغة الآرامية هو «بت زبينه» ومعناه: ابنة التاجر. وعلى هذه الصورة ورد في الكتابات التدمرية.
اما لفظة «زينب»، فهي، على ما ارتأى «وادنكتون» صورة اسم يوناني قد اعتاد الشرقيون في تدمر ان يزيدوه على اسمائهم السامية. ولعله يوجد في اسمها المام باسم ابيها «زينوبيوس» وقد كان من اعيان تدمر.
غير ان «زينب» لم تكن لترضى ان تنسب الى «ابنة تاجر». فسعت جهدها الى اخفاء اصلها، مما دفع المؤرخين الى اختلاق الافتراضات التي تبعد غالباً عن الحقيقة بعداً كبيراً. فضاع علينا تاريخ مولدها والمكان الذي ولدت فيه.
وكان يطيب لزينب، ان تنسب الى كليوباترا، وسيراميس، وديدون.

