اما السؤال ، فهو حقاً احراج صارخ لفنان نذر قلبه لجمال الفن المطلق، فكيف به وقفه على اثر فني واحد ؟ ! .
وبعد، فالفن هو صورة للحياة بما فيها من جمال وقبيح وغبطة وحزن وسعادة وبؤس، وحينما يبلغ الفن ذروته في التعبير عن احدها، فهي رائعة تحتل قلبنا وفكرنا الى الابد .
ولهذا يستحيل تجزئة الفن والتفضيل فيه ، لانه وحدة متماسكة ، غايته الحياة، ونحن في التفضيل فيه ضمن حلقة مفرغة .
وباحتفاظي بهذه العقيدة، اقدم للقارئ الذي اطلت عليه بهذه المقدمة، وحرمته من حديث الفن ، اثراً لجبار من جبابرة الفن، من اعطى العالم ثورة لا تفنى ووهبه من عبقريته ودمه تراثاً سرمدياً لا يبلى ، هو نابغة الاجيال : ميكالنجلو بوناروتي . المهندس والمثال والمصور . هو صاحب قبة كنيسة مار بطرس معجزة البناء . وخالق تمثال موسى معجزة الفن، ومصور ( معبد سكتين ) حيث يوم الدينونة التي ستبقى رمزاً للعبقرية الانسانية ما بقيت الانسانية .
وكما اعلنت سابقاً، ان كل الروائع عزيزة علي ، حبيبة الى قلبي . غير اني سأتحدث مضطراً عن واحدة منها ، لانها بالرغم عن جمالها الفني تحتوي على نوع من الفن الانساني الذي يروقنا وينفعنا في هذا العهد وفي الآخرة انشاء الله .
ان ميكالنجلو لم يكن فناناً يصنع تهاويل واصناماً لا تمت لعصره وامته بمجال ليربح بعض دريهمات وينال شهرة مصطنعة . انه كان مصلحاً وحامل رسالة انسانية لذلك كان فنه عظيماً جارفاً ضاقت به بلاده فملأ به الدنيا وفرضه على الاجيال .
عشق ميكالنجلو الجسم الانساني كما عشقه فنانو الاغريق القدماء الذين وجدوا
في هذا الجسم الينبوع الدفاق لما انطوى عليه من جمال في ادق تقاسيمه واتساق عجيب بين مختلف اوضاعه . واذا كان الفن الاغريقي وقف عند تمثيل الجمال الجسماني الخالص، فان ميكالنجلو زاده في التعبير عن النفس الانسانية وما يجتلج فيها من شتى الاحاسيس والآمال . وقد قصر فنه على التعرف الى اسراره المدهشة، ووضع فيه من الفن التشريحي ما بعد بحق مثالاً يحتذى به لكل مريد . وهو في ذلك خارقه للحياة المتجلية في اجزاء الاجسام، خارقه في تمثيل البساطة والجلال ، رائعه في توزيع الظل والنور ، عظيمه في تنوع الاوضاع والابعاد ، في النتوء والاغوار، في الاتزان والتركيب، في قوة التعبير عن الفكرة التي تجول في نفسه سواء كان ذلك على اللوحة الملونة او على قطعة الرخام الجبارة او في البناء الذي يناطح السحاب . فميكالنجلو عظيم فيها بلا تردد ، فكل ما ينتجه فخم كله الروعة وكله الجلال . وقد امتاز فنه بالحركة والقوة والثورة .
وها نحن نختار على حد تعبير مجلتنا
العزيزة ، احدى روائعه العالمية وهي تمثال ( موسى ) : كتلة عظيمة من الرخام الناصع ، تبلغ خمسة امتار ، كانت منذ هنيهة قطعة من الحجر الاصم ، ثم مر عليها ازميل هذا العبقري فاخرج للناس تمثالاً حياً ينطق عن مشاعر الانسانية وعن آمالها وآلامها. ولا غرو اذا عرت ميكالنجلو هزة كبرياء بعد ان شاهد هذا الصخر ماثلاً امامه ينبض بالحياة ويتحفز للنهوض، فلم يستطع رد جماح نفسه امام هذا الخلق الجبار فهتف من اعماقه بكلمة ذهبت مثلاً فصرخ به ، بعد ان ضرب مثاله بالمطرقة التي كانت ترتجف في يده القوة قائلاً : « تكلم يا موسى !.. »
اجل ، لقد تكلم تمثال موسى على مدى الاجيال وحمل الانسانية خلاصة الفكر الانساني واحساسه .
والمتأمل في هذه التحفة والدارس لما اودعه فيها فناننا من براعة وعلم تبدو وكان كافة اجزائها تتحرك وتتنفس وتقبل وترتعش . ان اتجاه الرأس صوب اليسار بتلك البزة القوية والنظرة المزورة والانف العظيم والفم المنكمش البارز اسفله ، كأنما يدعو الى الثورة ويستنهض للحياة ويؤمل المظلوم ويهدد الظالم . وزاد في جلاله تلك اللحية الملتوية المتشابكة التي هي ثورة بذاتها .
والناظر لوضع الذراع اليسرى الممتدة وقد برزت عضلاتها وشرايينها بقوة كأنها تهيأ لعمل خطير . وما اجملها مع حركة الذراع اليمنى المنطوية، فقد اتمت الانسجام وزادت في معنى التوثب . وليتم المعنى فقد امسك بيده هذه لوحة ( الوصايا العشر ) ليعني ان الثورة التي يريدها ، ثورة شرعية تنبعث عن حق الانسان لا ثورة جنون هدامة ...


